مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

حلمنا بليلة كهرباء

د. قصي الحسين*

عندما أدرك “نزار بن معد بن عدنان”، أنه أصبح رجلا عجوزا، وشعر بدنو أجله، قسم لأولاده. وأوصاهم، بأن يذهبوا إلى “الأفعى الجرهمي” وبينهما – تفاهم معقود، وثقة عميقة-، لتحكيمه، إذا إختلفوا فيما بينهم، على التركة.
كان “نزار” شديد الذكاء. وكان يشعر أن كل واحد من أبنائه، يرى أنه الأجدر من أخوته بعد أبيه. وكان “الأفعى الجرهمي”، محكم العرب في زمانه، على القبيلين الأخوين: بكر ونزار، لرجاحة عقله، وقوة ساعده.
ثم لم يلبث أن مات نزار. وإختلف أبناؤه من بعده. وطال خلافهم زمنا غير قصير. فخافوا على ضياع ملكهم. فتشاوروا. وعملوا بوصية أبيهم. فأتوا “الأفعى الجرهمي” وحكموه فيما بينهم. فإرتضوا بما حكم لهم. وعاشوا زمانا بأمان، حتى تجدد الخلاف بينهم.
“عجوز لبنان”، قسم لأبنائه قبل دنو أجله. فإختلف أبناؤه على حصصهم. ووقفوا أمام “الحكيم الجرهمي”، يصغون إليه، بعدما إستطال الخلاف بينهم على “التركة”.
غير أن ما يمايز بين “الأفعى الجرهمي” القديم، و”الحكيم الجرهمي” اليوم، هو أن الأول، كان يلي الأحكام، ولا يحكم. بينما الثاني، يلي الأحكام، ويحكم.
“عجوز لبنان”، سلم داره ل”الحكيم الجرهمي”، بالتفاهم، و بالثقة، ونام. جعل أبناءه أمام قدرهم، مع من يلي الأحكام ويحكم.
لم يعد لهم خيار إلا خياره. ولم يعد لهم رؤيا، غير رؤياه. ولم يعد لهم قرار غير قراره.
فلماذا تكاثرت عندهم الأسئلة هذة الأيام. ولماذا تكاثرت عندهم الشكاوى في الداخل والخارج. ولماذا تكاثرت عندهم الدعاوى والإعتراضات. ما دام “الحكيم الجرهمي”، قد ولي الأحكام على اللبنانيين بالتفاهم وبالثقة مع “عجوز لبنان”. وهو يحكمهم معا في آن.
ذهب اللبنانيون، عند الإستحقاق، وإختاروا “الرجل العجوز” عليهم، بملء إرادتهم. أجمعوا على “الرجل العجوز”، إجماعا غير مسبوق. فلم يهددهم من أحد. ولم يحجزهم أحد، ولم يحجر عليهم أحد. وما كانوا في مرمى النيران، ولا أتوا “باب العجوز”، خوفا من الشيطان.
كان اللبنانيون على علم بتفاهم “عجوز لبنان”، مع “الحكيم الجرهمي”، الذي لا يناور، في الحكم، ولايناور في ولاية الأحكام. كانوا يعلمون بأسه، في الولاية وفي الحكم معا في آن. وهو مجرب لديهم، منذ زمان طويل.
كانوا يعلمون أن “عجوز لبنان” يحكم “الحكيم الجرهمي”، في حياته. و يحكمه أيضا، حتى بعد مماته. فما كان ذلك، ليجعلهم يترددون في الإجماع عليه.
عرف اللبنانيون عند الإستحقاق، ب”البئر وبغطى البئر”. لم يكن هناك، ما هو خفي عنهم. فأقروه عليهم، ويده بيد “الحكيم الجرهمي”.
فليخففوا اليوم من غلوائهم. ولينتظروا، موعد الإستحقاق القادم. فما جاءهم به “عجوز لبنان” في ليل. بل جاء به إليهم في وضح النهار. وبعدما طال العثار وعلا الغبار. وما كان “الحكيم الجرهمي”، من كوكب آخر. بل من أهل الدار، ومن باب الشراكة في الدار.
فليتقوا الله قليلا. وليرحموا الشعب. الذي لم يعد ما يهمه من العالم القديم والجديد، إلا ساعة من كهرباء، في الليلة الظلماء.

*أستاذ في الجامعة اللبنانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.