مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

أين وزارة الخارجية من التدخل الأمريكي السافر في الشؤون اللبنانية

عدنان علامه*

تريثت في الكتابة حول السافر الأخير للسفيرة الأمريكية في الشأن الداخلي اللبناني الذي كشفه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل. وتوقعت بأن وزارة الخارجية ستستدعي السفيرة الأمريكية دوروثي شيا؛ وتستوضح منها مضمون كلام باسيل حول التهديد والوعيد والإغراءات التي بلغه أياها بومبيو. وقد كررتها السفيرة شيا حرفياً ونفذتها الإدارة الأمريكية حين لم يقبل باسيل أن يأخذ لبنان إلى حرب طائفية وفتنة داخلية. وقد أكدت السفيرة شيا في ردها على باسيل، بأنها اتصلت به ولكنها حوّرت المضمون. وبذلك تكون قد تجاوزت صلاحيتها كسفيرة ترعى مصالح رعايا دولتها فقط غير آبهة بردود فعل وزارة الخارجية اللبنانية. فقد جربتها سابقاً حين تدخلت بشكل سافر ووقح في أواخر شهر حزيران الَماضي، حين حرّضت في مقابلة على قناة الحدث ضد حزب الله بسيل من الإفتراءات والأكاذيب. فتصدى لشظايا تصريحاتها القاضي محمد مازح الذي قال : “أن القرار الذي أصدره بشأن السفيرة الاميركية هةفي لبنان هو قانوني بامتياز ويستند للوقائع التي رآها بعد حديثها والذي يرى فيه تهديداً للسلم الوطني في لبنان.”

وفي مداخلة هاتفية عبر شاشة العالم قال مازح إن قضية السفيرة الاميركية في لبنان دوروثي شيا أخذت أبعاداً سياسية نظراً لحساسية الموضوع، وإنه حكم في هذه القضية وفق ما يمليه الضمير وحسب أحكام القانون. وبدلاً من إستدعاء وزارة الخارجية للسفيرة شيا وتأنيبها لتجاوز صلاحياتها والتنبيه عليها بعدم تكرار الأمر فقد قام المجلس القضائي بإستدعاء القاضي محمد مازح بطريقة غير لبقة وخارج الأطر القانونية؛ الأمر الذي دفعة إلى الإستقالة للحفاظ على كرامته المهنية والشخصية.

فما قامت به السفيرة شيا هو حلقة من سلسلة طويلة في إنتهاك أمريكا للسيادة اللبنانية بتدخلها السافر والوقح في الشأن الداخلي اللبناني خارقة بذلك كل القوانين المتعلقة بالسيادة وتقرير المصير. وللأسف لم تجد أمريكا من يردعها فتمادت في التدخل واخذت تفرض شروطها في كل صغيرة وكبيرة في الشٱن الداخلي وكانت تخطط لفتنة طائفية وفوضى عارمة لتمرير مخططاتها. وكانت بعض الأوامر والتهديدات صريحة جداً والبعض الآخر مبطناً. وسأعتمد على بعض الوقائع التي حصلت منذ آذار العام الماضي على سبيل المثال لا الحصر وستكون البداية مع بومبيو والخاتمة معه أيضاً :-

*ففي الثاني والعشرين من آذار الماضي، كان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في بيروت، يهدّد اللبنانيين. وضعهم بين خيارين: إما مواجهة حزب الله، أو دفع الثمن.

وقد أنتهزت أمريكا التحرك العفوي للشعب اللبناني رفضاً واحتجاجاً على الإعلان على فرض ضرائب على مكالمات وسائل التواصل. فأعطت أوامرها للأكاديمي الدكتور فضلو خوري مدير الجامعة الأمريكية بالتحرك الفوري مع طلابه لملأ الساحات. وللعلم فإنه باحث لامع في أبحاث مرض السرطان وتعتبر آراؤه مرجعاً مرجحاً لكافة الآرأء الأخرى. فبتاريخ 28 تشرين الأول 2019 كان للدكتور فضلو خوري دور كبير في حث طلاب الجامعة على الانتفاض والمشاركةمع سارقي الحراك الشعبي لتوجيه الحراك بما يتطابق مع خطط الإدارة الأمريكية. فتوجه الى المتظاهرينَ من طلاب وغيرهم في وسطِ بيروت قائلاً لهم : “سترَوْنَ محاولاتٍ لزعزعتكم، لتوقيفِ حراكِكم، وانتم تتعاملون معَ اناسٍ لديهم خبرةٌ طويلةٌ في الحساباتِ السياسية”. وأضاف : “عليكم البقاءُ في الأعلى وأن تَحمُوا بعضَكم البعضَ وأن تَحموا الكاميراتِ وروحَ هذه التظاهراتِ التي يجبُ ان تكونَ طويلةَ الامد“.

وانتشرَ على مواقعِ التواصل الاجتماعي مقطعُ فيديو تمَ تصويرُه خلالَ توجيهِ خطابٍ باللغةِ الانكليزية في مبنى سينما «غومون بالاس» البيضاوية يدعو الى تشكيلِ حكومةٍ موازيةٍ للحكومة الحالية واحتلالِ وظائفِ الدولة .
وما قاله بومبيو في آذار 2019 ، كرره السفير الأميركي السابق (والأشهر) في لبنان، جيفري فيلتمان، أمام الكونغرس. الخميس 21 تشرين الثاني 2019. غقال ما معناه إن امام اللبنانيين خيارين: إما الالتزام بسياسات واشنطن، أو “الفقر الدائم أو الإزدهار المحتمل” . وسياسات واشنطن تعني أيضاً الوقوف في وجه حزب الله (في شهادته، كرر فيلتمان كلمة حزب الله 49 مرة)، وإضعاف حلفائه في أي انتخابات مقبلة، وتأليف حكومة تكنوقراط.

ويبدو أن شهادة فيلتمان تحولت مباشرة إلى برنامج عملي قيد التنفيذ وبوسائل عديدة. وقد اقتبست بعض الفقرات من شهادته (24صفحة) وأنصح الجميع بمراجعتها :-

1- عين أمريكا على مرافئ لبنان

أبدى فيلتمان قلقه من توسّع الدور الروسي «العدواني» في الإقليم والمتوسط، ومن كون هذه الأخيرة تضع لبنان نصب أعينها كمكان لمواصلة دورها المتصاعد. للدلالة على وجهة نظره، سأل: «ماذا لو استغلت روسيا موانئ لبنان الثلاثة ومخزونات الهيدروكربون البحرية؟ ستفوز في شرق وجنوب المتوسط، على حسابنا». ليس هذا فحسب، فهو قلق أيضاً من تنامي النفوذ الصيني، وصعوبة مقاومة اللبنانيين تقنية الجيل الخامس الصينية، «بالنظر إلى الحالة المؤسفة لشبكة الاتصالات». يخلص إلى أن لبنان، باختصار، «مكان للمنافسة الاستراتيجية العالمية، وإذا تنازلنا عن الأرض، سيملأ الآخرون الفراغ بسعادة».*

2- تحريض القوات اللبنانية المسلحة بمواجهة حزب الله مع خطط بديلة.

قد يتساءل البعض في واشنطن عمّا إذا كان على القوات المسلحة اللبنانية الآن الاستعداد لمواجهة الحزب ديناميكياً ونزع سلاحه بالقوة. «ستكون هذه وصفة لحرب أهلية، تستفيد منها إيران وعملاؤها». لذا وجب «التفكير على المدى الطويل».

3- التهديد مجدداً بالفقر الدائم مجدداً والتحريض على فك التحالف مع حزب الله.

وخيّر فيلتمان اللبنانيين بين: الطريق المؤدّي إلى الفقر الدائم أو الرخاء المحتمل من خلال تحديد ما إذا كانوا سيستمرون في قبول الحكم السيّئ إلى جانب الفيتو الفعّال على القرارات الحكومية التي يصرّ عليها «حزب الله». قد لا يتمكّن الناخبون اللبنانيون من تجريد الحزب من ترسانته بين عشية وضحاها، لكن يمكنهم اغتنام الفرصة الانتخابية المقبلة لتجريده من الشركاء البرلمانيين الذين يستخدمهم لتأكيد إرادته السياسية.

4- التدخل المباشر في إختيار رئيس الحكومة وفرض الوزراء والتهديد المبطن الصريح للحفاظ على مصالح ” أمريكا الوطنية والحلفاء الإقليميين” بقفازات مخملية وبلغة دبلوماسية.

“يجب ألا يُنظر إلى أن الولايات المتحدة تفرض اختيار رئيس وزراء لبنان المقبل أو وزراء معيّنين في الحكومة، فتلك قرارات لبنانية حصرية. و«بما أن مصالحنا الوطنية ومصالح حلفائنا الإقليميين ستتأثر بما يحدث في لبنان، فإننا نتحمّل مسؤولية توضيح وجهات نظرنا من خلال عملنا وبكلماتنا. يستحق اللبنانيون أن يفهموا تماماً الآثار المترتبة على القرارات التي يتخذونها في شأن التعيينات والسياسات الحكومية».

وننتقل مجدداً إلى خرق خطير للسفيرة الأمريكية دوروثي شيا للسيادة اللبنانية وتجاوز صلاحياتها بشكل خطير دون أي تنبيه أو تحذير أو حتى لفت نظر من وزارة الخارجية. فقد كانت تقوم بزيارات مكوكية لقادة الأجهزة الأمنية تحثهم على عدم إستعمال القوة مع “سارقي الحراك” طبعاً مع الإشارة بأن أمريكا ستسجل بأن لبنان يقمع الحريات والتظاهرات السلمية وحرية التعبير عن الرأي. وقد توجت خرقها للسيادة اللبنانية في الأسبوع الأول من شهر نيسان الماضي بزيارة رئيس «الحزب التقدمي الإشتراكي» وليد جنبلاط الذي “تحمّس ” فشنّ هجوماً لاذعاً على العهد والحكومة بعد هذا اللقاء، وتواصَل مع «القوات” من خلال زيارة النائبين أكرم شهيب ونعمة طعمة لمعراب. كما زارت شيا بتاريخ 21 نيسان /ابريل 2020 رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، في مقر «القوات» في معراب لتنفيذ الإنقلاب في وجه عهد الرئيس ميشال عون و«حزب الله» وحكومة الرئيس حسان دياب مستغلين تحركات “سارقي الحراك” وقطع الطرقات وإقفال المصارف.
وأما مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر فقد التقى في بيروت يوم الأربعاء 2 والخميس3آب/أغسطس بممثلين عن المجتمع المدني، ومجموعات ما يسمى بثورة 17 تشرين الأول في جولة نقاشات حادة جدا عن فشلهم الذريع في تنفيذ الفوضى الكاملة وسحب سلاح حزب الله بالرغم من الدعم المالي غير المحدود لتأمين تحركهم والتغطية الإعلامية على مدار 24 ساعة. ولا بد من ذكر مفارقتين هامتين:-
1- تجاهل شينكر كافة المسؤوليين اللبنانيين من جدول اعماله حيث اقتصرت لقاءاته مع أدوات تنفيذ الإنقلاب الفاشل على الدولة.*
2- وزعت السفارة الأمريكية صور وأسماء من التقى معهم عبر العالم الإفتراضي.

وقد تمثل خرق السيادة اللبنانية الفاضح والتآمر على لبنان ووحدة أراضيه فيما كشف عنه وكيل وزارة الخارجية ديفيد هيل، خلال جلسة الإستماع إليه يوم الخميس 26 أيلولفي لجنة العلاقات الخارجية لمجلس الشيوخ “بأن دعمنا للجيش اللبناني يأتي ضمن استراتيجيتنا لمواجهة حزب الله” . وأضاف “أن الولايات المتحدة أنفقت 10 مليارات دولار في لبنان، على القوى الأمنية من جهة، وعلى منظمات المجتمع المدني من جهة أخرى، خلال سنوات” .

وآمل التركيز جيداً على هذه الفقرة لأنها تفسر سبب العقوبات الحقيقي على جبران باسيل :-*
*وأعلن هيل، خلال الجلسة ” أن بلاده ستستخدم نفوذها لمعاقبة من يعاونون حزب الله”.

وختام الخروقات ستكون كما البداية مع بومبيو الذي أكد من حيث لا يدري بأن العقوبات على رئيس التيار الوطني الحر هي سياسية بإمتياز .

فقد شدد خلال مؤتمر يوم الثلاثاء الماضي على أن “الولايات المتحدة تقف إلى جانب الشعب اللبناني الذي يطالب بمكافحة الفساد وفرضت عقوبات على جبران باسيل”. واعتبر أن “العقوبات على باسيل مناسبة وستوفر نتيجة جيدة للشعب اللبناني في التصدي للقادة الفاسدين”، لافتاً الى أن “جبران باسيل مرتبط بمنظمة حزب الله الإرهابية”.

وبناءاً عليه فإن أمريكا وبالدليل الملموس قد هددت سيادة لبنان ووحدة أراضيه بتخطيطها لإنقلاب مكتمل العناصر مع قيامها بتمويله بمليارات الدولارات، ومراقبة المراحل وتوجيه الخطط البديلة. وأما بالنسبة للعقوبات على وزير الخارجية السابق جبران باسيل فأنها غير قانونية وجائرة ومنتهكة لحقوق الإنسان وخرق فاضح للسيادة اللبنانية؛ لأن أمريكا ليس لها الحق في أن تفرض عقوبات على أي دولة ذات سيادة خارج الأمم المتحدة أو مجلس الأمن. فإن أمريكا لا يحق لها أن تطبق قانون ماغنيتسكي الامريكي في لبنان. وبالتالي فإن ما قامت به وزارة الخزانة الأمريكية هو إعتداء صارخ على السيادة اللبنانية وعملية إغتيال سياسية لرئيس حزب وازن في لبنان. ويجب أن تنتفض الدولة للحفاظ على ما تبقى من سيادة الوطن اللبناني ومحاسبة السفيرة الأمريكية لخرقها السيادة اللبنانية ووحدة أراضيه والتآمر على السلم الوطني فيه.

وإن غداً لناظره قريب

*كاتب ومحلل سياسي

حرمون

*13/11/2020

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.