مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

كنزة حبّ من يديكِ

زياد كاج*

ماذا كانت ستفعل خالتي ناديا وماذا عساها أن تقول لو قُدِّر لها — لا سمح الله – أن تعيش في هذا الزمن الغارق في التطرف الديني والإيديولوجي والشعبوي الذي يجتاح العالم تحت عناوين وشعارات لا تعكس واقع البشرية على حقيقته؟ الغذاء ومصادر الطاقة في شحّ، الأرض تكاد تسعل من شدة التلوث، وسكان الأرض يختلفون على جنس السموات!

خالتي ناديا كانت تنتمي – لحسن حظها – الى زمن وعالم مختلفين من الأفكار والوفرة والبساطة والطيبة التي جلبتها معها في سلّتها قبل أن يدحرجها القدر من الضيعة الى زحمة المدينة في شارع الحمرا لتستقر في كنف عائلة مسيحية متنوّرة في رأس بيروت كان جسرها من آل فواز وروحها الحاضنة من آل صبرا.

كل شيء كان مختلفاً في ذلك الزمن، حتى خالتي بدت مختلفة. أقول إن الأيام كانت اقل تعقيداً؛ وكذلك كانت خالتي. رغم تفلت البلد من ماسكيه واندلاع الحروب المحلية التي تبدو سخيفة – بل مضحكة – مقارنة مع ما يجري اليوم في البلد وما يسود العالم من سواد وشدّ حبال وقرع طبول الحروب وهجمات إرهابية خاصة ما حدث في فرنسا مؤخراً بعد قطع رأس مدرس التاريخ المسكين ووقوع اعتداءات عدة تحت عنوان الدفاع عن “الإسلام”!! والنبي محمد (ع) من هؤلاء براء. ومِن كل مَن تظاهر وسوف يتظاهر للدفاع عن الإسلام والنبي محمد الذي لا يحتاج لأحد أن يدافع عنه. ولا بدّ من السؤال: “ماذا أفادت فتوى هدر دم سلمان رشدي؟”، سوى أنها جعلت منه كاتباً مشهوراً بسبب “آياته الشيطانية”!

سقى الله أيامك يا خالتي ناديا ورحم روحك الصافية يوم كانت أجراس الكنائس لا تعرف الحزن ولا المآذن في غضب وعبوس. كانت اللحى أقصر وأكثر تسامحاً. خالتي كان حضورها في بيتنا كل يوم أحد يجلب معه سلاماً وابتسامة ريفية صافية وحب وعلبة كاتو كرتونية بيضاء من محلات “كاندي” (صار اسمه اليوم لو سيغال). يقصد أبي ميدان سباق الخيل، فتأتي  في أفضل حلتها: فستانها مرتب، أنيقة بلا مبالغة يغطي ثيابها معطف شتوي لافت كانت تحرص على وضعه على كتفيها. ابتسامتها مضيئة مع حمرة شفاه خفيفة تترك أثرها على الخدين.

بفضلها زرنا صغاراً حاريصا ومغارة جعيتا الخلاّبة، كان ذلك قبل الحرب. رافقتنا في سيارة مرسيديس رمادية الى فوق حيث اكتشفت عالماً مختلفاً عن رأس بيروت. عالم جميل يعجّ بالزوار والسياح وشرطة السير التي كان لها هيبة لدرجة أن خالتي ناديا اختلفت مع سائق الإجرة على التعرفة في طريق العودة الى بيروت فشكته الى أحد الدراجين الذي وبّخه وأجبره على توصيلنا حسب التعرفة الرسمية. بقي السائق عابساً طوال الطريق وكذلك خالتي.

في الكنيسة وضعت الزيت المقدّس على أذني كي تُشفى؛ ارتاحت نفسيتي وشفيت شخصيتي كلما عبرت سنة وبقيت مشاكل أذني! حتى اليوم، لا أنسى مشوار جعيتا ولا كرم خالتي الذي امتد ليصل الى دور السينما في الحمرا. فشاهدت معها وأمي أفلاماً لفاتن حمامة: “أفواه وأرانب” و”أريد حلاً”. من يومها، عشقت فاتن حمامة وتمثيلها وهي من الممثلات العربيات اللواتي نلن شهادة الدكتورة الفخرية من الجامعة الأميركية في بيروت. وعندما اجتاح الجيش “الإسرائيلي” الغازي البلد ودمّره وحاصر شارون بيروت الغربية مهدداً بتدميرها على رؤوس من بقي من أهلها، صعدنا الى الضيعة ومكثنا في بيت خالتي ناديا مع أقارب لنا من عائلة أبي. أما هي فبقيت صامدة في الحمرا مع عائلة فواز والقط “ويسكي”.

السيجارة لم تكن تفارق فمها. كنت أزورها في بيت “عائلتها الثانية” في الطابق الثالث المقابل لتعاونية الحمرا اليوم. كولد حشري كنت أتلصلص على أجواء بيت أعجبتني أجوائه ودفئه ونخبوية ثقافة ساكنيه الذين قرروا البقاء في منطقة بقيت علمانية بفضل أحزابها العلمانية التي حمت المسيحيين وعزّزت عيشهم بكرامة. نخبوية آل فواز – صبرا غرفت منها خالتي حتى صارت من العائلة، لها غرفتها الخاصة وفي المطبخ هي الساحرة التي تحيي السهرات والعشوات لطالما جلست على كرسي خشبي في المطبخ أسترق ضجيج اختلاط الأصوات من غرفة الطعام والضحكات وعبارات الثناء لشغل الأطباق اللذيذة التي أعدّتها ناديا. وهي تعود الى المطبخ وعلى وجهها علامات الرضى والسرور.

لطالما طلبت منها أكلتي المفضلة “لسان القطة” مترجمة من الفرنسية، وهي صينية حلويات فرنسية تصنع من بسكويت خاص وكريما وأناناس وتوضع في الثلاجة. حين كانت تحضر يوم الأحد ومعها تلك الصينية العجيبة المثلجة، كنت أدعو “لويسكي” بطول العمر.

خلال حرب الجبل وبعد تهجير معظم أقاربها الى بلدة “دير القمر”، بقيت خالتي حزينة كئيبة وهي تتابع بشكل يومي أخبار الحصار. وماذا يمكن أن يحصل لأخوتها وأبنائهم وبناتهم فوق. عانت الكثير وهجرها النوم. لم تطمئن إلا حين زارتهم بعد ثلاثة أشهر وعانقتهم في بيوتهم المؤقتة التي سيبقون فيها لمدة 11 سنة، خصوصاً خالتي روزيت وعائلتها التي استقرت في أنطلياس في غرفة صغيرة وتحوّل زوجها من مزارع يضمن كروم العنب مع جيرانه الموحّدين، الى حارس مرأب سيارات يتذمر من قلة احترام وحشمة نساء المدينة.

اكتشفت يوماً أن أبي — قارئ جريدة النهار النهم — تحوّل الى مستشار سياسي لدى عائلة فواز – صبرا. ناطور بناية مثقف وصاحب بعد نظر. كان حديثه السياسي يصدق وكانوا يؤمنون بتوقعاته. حربوق وعشراويّ. بينه وخالتي عادة مشتركة: السيجارة. سيجارة خالتي كانت “كلاس” بعض الشيء، أما سيجارته فكانت شعبية وكذلك سعاله. مرة تخانقا في صالون بيتنا بسبب مشاجرة بينه وأمي. دافعت عنها خالتي و”غسّلته” (بالتعبير الدارج) وهي واقفة. أمي من النوع الذي يقال عنه “البسينة بتاكلها عشاها”. بقي جاساً خلف طاولته ولم ينبت بكلمة. شعر أنه أخطأ.

لم تدخل خالتي “القفص الذهبي” – وربما كان هذا من مصلحتها ومصلحتنا، كانت تعتبرنا كأولادها تماماً. من هواياتها حياكة كنزات الصوف تجلس في صدر الدار ومعها “كباكيب” الصوف الدائريّة وصنارتان كنت أحب منظرها وهي تشتغل كنزة الصوف والسيجارة في فمها. تترك “الكباكيب” تتدحرج عشوائياً على سجادة الصالون. عمّرت بيتها من تعبها ومالها الخاص في الضيعة. يُقال إن أحد الأقارب أخذ منها مبلغاً وفّرته منذ وطأت قدماها بيروت كي يبني لها المنزل قرب منزل جدي القديم. أخذ المبلغ وهرب الى ليبيا. كبر المشكل في الضيعة و”نُشر غسيل الرجل” على توتات وعرايش القرية الى أن سُوّي الأمر. فقام هو ببناء طابقين: الأول لخالتي ناديا والثاني لخالتي مرلين التي كان نصيبها من تنورين. فانتقلت للعيش هناك ولا تزال.

رحلت خالتي عن هذه الفانية فجأة. حل خبر رحيلها كالصاعقة علينا جميعاً. خاصة على أمي وعائلة فواز – صبرا وأقاربنا في الضيعة وعائلة أبي.

“ماتت خالتي ناديا”. هكذا بكل بساطة. الموت كالحاجز الطيار في الحرب الأهلية.. لكنه لا يسأل عن الهوية. سكتة قلبية على الشرفة وسيجارتها على الأرض قربها. صُدمت السيدة ليلى فواز التي كانت متعلقة بها لدرحة أنني قرأت علامات الحزن والتفجع على وجهها المحمي بنظارتين سوداوين كبيرتين كافيتين لإخفاء العيون المتورمة من البكاء. جلبت معها صديقاً من بيروت الى كنيسة الضيعة كي يساندها. كان جنازاً ضخماً ومؤثراً وسط حضور من الضيعة وبيروت والمحيط. لم أعرف مدى محبة عائلة أبي المسلمة إلا عندما حضروا الى بيتنا لتعزية أمي. كانت المرأة جسراً عابراً للطوائف؛ وكم من مثلها في بلد أنهاره من وحول دماء.

هنيئاً لك خالتي حضورك اللطيف ومرورك السريع على مسرح الحياة. وكم أنت محظوظة لرحيلك الباكر. وما الفرق أن يرحل الإنسان باكراً أو متأخراً. الأمر سيان.

يقطعون الرؤوس ويطعنون الناس ويحرقونهم أحياء باسم الدين! يُفسدون في الأرض والناس في سكون وغفوة السكرة. يا لغباوتنا؟ نتظاهر ونشتم ونلعن ونكسر المحال والطرقات والممتلكات لإهانة أو رسم أهان نبياً؟ ونحن ماذا فعلنا من أجله؟ وهل هو بحاجة لكل هذا الضجيج والملايين تعيش وتحيا في ظل نوره ورسالته؟ الغرب – على مساوئه – لا يأبه لنا ونحن لا نفهم كيف يفكر. لماذا لا ندين القاتل؟ لماذا لا نتظاهر ضد مَن يقطع الرؤوس ويحزّ الأعناق باسم السماء؟ لماذا لا نملك الجرأة ولو مرة واحدة ونقول “لا” للقتل مهما كان الثمن. العقل الغربي يرى أننا نتعاطف مع القاتل أكثر من المقتول.

خالتي ناديا.. بالله عليك.. اصنعي لنا كنزة حب شغل يديك الطيبتين.. نحن بحاجة ماسة لدفء المحبة.. لحب وبساطة زمنك.

*روائي من لبنان.

زياد كاج*

ماذا كانت ستفعل خالتي ناديا وماذا عساها أن تقول لو قُدِّر لها — لا سمح الله – أن تعيش في هذا الزمن الغارق في التطرف الديني والإيديولوجي والشعبوي الذي يجتاح العالم تحت عناوين وشعارات لا تعكس واقع البشرية على حقيقته؟ الغذاء ومصادر الطاقة في شحّ، الأرض تكاد تسعل من شدة التلوث، وسكان الأرض يختلفون على جنس السموات!

خالتي ناديا كانت تنتمي – لحسن حظها – الى زمن وعالم مختلفين من الأفكار والوفرة والبساطة والطيبة التي جلبتها معها في سلّتها قبل أن يدحرجها القدر من الضيعة الى زحمة المدينة في شارع الحمرا لتستقر في كنف عائلة مسيحية متنوّرة في رأس بيروت كان جسرها من آل فواز وروحها الحاضنة من آل صبرا.

كل شيء كان مختلفاً في ذلك الزمن، حتى خالتي بدت مختلفة. أقول إن الأيام كانت اقل تعقيداً؛ وكذلك كانت خالتي. رغم تفلت البلد من ماسكيه واندلاع الحروب المحلية التي تبدو سخيفة – بل مضحكة – مقارنة مع ما يجري اليوم في البلد وما يسود العالم من سواد وشدّ حبال وقرع طبول الحروب وهجمات إرهابية خاصة ما حدث في فرنسا مؤخراً بعد قطع رأس مدرس التاريخ المسكين ووقوع اعتداءات عدة تحت عنوان الدفاع عن “الإسلام”!! والنبي محمد (ع) من هؤلاء براء. ومِن كل مَن تظاهر وسوف يتظاهر للدفاع عن الإسلام والنبي محمد الذي لا يحتاج لأحد أن يدافع عنه. ولا بدّ من السؤال: “ماذا أفادت فتوى هدر دم سلمان رشدي؟”، سوى أنها جعلت منه كاتباً مشهوراً بسبب “آياته الشيطانية”!

سقى الله أيامك يا خالتي ناديا ورحم روحك الصافية يوم كانت أجراس الكنائس لا تعرف الحزن ولا المآذن في غضب وعبوس. كانت اللحى أقصر وأكثر تسامحاً. خالتي كان حضورها في بيتنا كل يوم أحد يجلب معه سلاماً وابتسامة ريفية صافية وحب وعلبة كاتو كرتونية بيضاء من محلات “كاندي” (صار اسمه اليوم لو سيغال). يقصد أبي ميدان سباق الخيل، فتأتي  في أفضل حلتها: فستانها مرتب، أنيقة بلا مبالغة يغطي ثيابها معطف شتوي لافت كانت تحرص على وضعه على كتفيها. ابتسامتها مضيئة مع حمرة شفاه خفيفة تترك أثرها على الخدين.

بفضلها زرنا صغاراً حاريصا ومغارة جعيتا الخلاّبة، كان ذلك قبل الحرب. رافقتنا في سيارة مرسيديس رمادية الى فوق حيث اكتشفت عالماً مختلفاً عن رأس بيروت. عالم جميل يعجّ بالزوار والسياح وشرطة السير التي كان لها هيبة لدرجة أن خالتي ناديا اختلفت مع سائق الإجرة على التعرفة في طريق العودة الى بيروت فشكته الى أحد الدراجين الذي وبّخه وأجبره على توصيلنا حسب التعرفة الرسمية. بقي السائق عابساً طوال الطريق وكذلك خالتي.

في الكنيسة وضعت الزيت المقدّس على أذني كي تُشفى؛ ارتاحت نفسيتي وشفيت شخصيتي كلما عبرت سنة وبقيت مشاكل أذني! حتى اليوم، لا أنسى مشوار جعيتا ولا كرم خالتي الذي امتد ليصل الى دور السينما في الحمرا. فشاهدت معها وأمي أفلاماً لفاتن حمامة: “أفواه وأرانب” و”أريد حلاً”. من يومها، عشقت فاتن حمامة وتمثيلها وهي من الممثلات العربيات اللواتي نلن شهادة الدكتورة الفخرية من الجامعة الأميركية في بيروت. وعندما اجتاح الجيش “الإسرائيلي” الغازي البلد ودمّره وحاصر شارون بيروت الغربية مهدداً بتدميرها على رؤوس من بقي من أهلها، صعدنا الى الضيعة ومكثنا في بيت خالتي ناديا مع أقارب لنا من عائلة أبي. أما هي فبقيت صامدة في الحمرا مع عائلة فواز والقط “ويسكي”.

السيجارة لم تكن تفارق فمها. كنت أزورها في بيت “عائلتها الثانية” في الطابق الثالث المقابل لتعاونية الحمرا اليوم. كولد حشري كنت أتلصلص على أجواء بيت أعجبتني أجوائه ودفئه ونخبوية ثقافة ساكنيه الذين قرروا البقاء في منطقة بقيت علمانية بفضل أحزابها العلمانية التي حمت المسيحيين وعزّزت عيشهم بكرامة. نخبوية آل فواز – صبرا غرفت منها خالتي حتى صارت من العائلة، لها غرفتها الخاصة وفي المطبخ هي الساحرة التي تحيي السهرات والعشوات لطالما جلست على كرسي خشبي في المطبخ أسترق ضجيج اختلاط الأصوات من غرفة الطعام والضحكات وعبارات الثناء لشغل الأطباق اللذيذة التي أعدّتها ناديا. وهي تعود الى المطبخ وعلى وجهها علامات الرضى والسرور.

لطالما طلبت منها أكلتي المفضلة “لسان القطة” مترجمة من الفرنسية، وهي صينية حلويات فرنسية تصنع من بسكويت خاص وكريما وأناناس وتوضع في الثلاجة. حين كانت تحضر يوم الأحد ومعها تلك الصينية العجيبة المثلجة، كنت أدعو “لويسكي” بطول العمر.

خلال حرب الجبل وبعد تهجير معظم أقاربها الى بلدة “دير القمر”، بقيت خالتي حزينة كئيبة وهي تتابع بشكل يومي أخبار الحصار. وماذا يمكن أن يحصل لأخوتها وأبنائهم وبناتهم فوق. عانت الكثير وهجرها النوم. لم تطمئن إلا حين زارتهم بعد ثلاثة أشهر وعانقتهم في بيوتهم المؤقتة التي سيبقون فيها لمدة 11 سنة، خصوصاً خالتي روزيت وعائلتها التي استقرت في أنطلياس في غرفة صغيرة وتحوّل زوجها من مزارع يضمن كروم العنب مع جيرانه الموحّدين، الى حارس مرأب سيارات يتذمر من قلة احترام وحشمة نساء المدينة.

اكتشفت يوماً أن أبي — قارئ جريدة النهار النهم — تحوّل الى مستشار سياسي لدى عائلة فواز – صبرا. ناطور بناية مثقف وصاحب بعد نظر. كان حديثه السياسي يصدق وكانوا يؤمنون بتوقعاته. حربوق وعشراويّ. بينه وخالتي عادة مشتركة: السيجارة. سيجارة خالتي كانت “كلاس” بعض الشيء، أما سيجارته فكانت شعبية وكذلك سعاله. مرة تخانقا في صالون بيتنا بسبب مشاجرة بينه وأمي. دافعت عنها خالتي و”غسّلته” (بالتعبير الدارج) وهي واقفة. أمي من النوع الذي يقال عنه “البسينة بتاكلها عشاها”. بقي جاساً خلف طاولته ولم ينبت بكلمة. شعر أنه أخطأ.

لم تدخل خالتي “القفص الذهبي” – وربما كان هذا من مصلحتها ومصلحتنا، كانت تعتبرنا كأولادها تماماً. من هواياتها حياكة كنزات الصوف تجلس في صدر الدار ومعها “كباكيب” الصوف الدائريّة وصنارتان كنت أحب منظرها وهي تشتغل كنزة الصوف والسيجارة في فمها. تترك “الكباكيب” تتدحرج عشوائياً على سجادة الصالون. عمّرت بيتها من تعبها ومالها الخاص في الضيعة. يُقال إن أحد الأقارب أخذ منها مبلغاً وفّرته منذ وطأت قدماها بيروت كي يبني لها المنزل قرب منزل جدي القديم. أخذ المبلغ وهرب الى ليبيا. كبر المشكل في الضيعة و”نُشر غسيل الرجل” على توتات وعرايش القرية الى أن سُوّي الأمر. فقام هو ببناء طابقين: الأول لخالتي ناديا والثاني لخالتي مرلين التي كان نصيبها من تنورين. فانتقلت للعيش هناك ولا تزال.

رحلت خالتي عن هذه الفانية فجأة. حل خبر رحيلها كالصاعقة علينا جميعاً. خاصة على أمي وعائلة فواز – صبرا وأقاربنا في الضيعة وعائلة أبي.

“ماتت خالتي ناديا”. هكذا بكل بساطة. الموت كالحاجز الطيار في الحرب الأهلية.. لكنه لا يسأل عن الهوية. سكتة قلبية على الشرفة وسيجارتها على الأرض قربها. صُدمت السيدة ليلى فواز التي كانت متعلقة بها لدرحة أنني قرأت علامات الحزن والتفجع على وجهها المحمي بنظارتين سوداوين كبيرتين كافيتين لإخفاء العيون المتورمة من البكاء. جلبت معها صديقاً من بيروت الى كنيسة الضيعة كي يساندها. كان جنازاً ضخماً ومؤثراً وسط حضور من الضيعة وبيروت والمحيط. لم أعرف مدى محبة عائلة أبي المسلمة إلا عندما حضروا الى بيتنا لتعزية أمي. كانت المرأة جسراً عابراً للطوائف؛ وكم من مثلها في بلد أنهاره من وحول دماء.

هنيئاً لك خالتي حضورك اللطيف ومرورك السريع على مسرح الحياة. وكم أنت محظوظة لرحيلك الباكر. وما الفرق أن يرحل الإنسان باكراً أو متأخراً. الأمر سيان.

يقطعون الرؤوس ويطعنون الناس ويحرقونهم أحياء باسم الدين! يُفسدون في الأرض والناس في سكون وغفوة السكرة. يا لغباوتنا؟ نتظاهر ونشتم ونلعن ونكسر المحال والطرقات والممتلكات لإهانة أو رسم أهان نبياً؟ ونحن ماذا فعلنا من أجله؟ وهل هو بحاجة لكل هذا الضجيج والملايين تعيش وتحيا في ظل نوره ورسالته؟ الغرب – على مساوئه – لا يأبه لنا ونحن لا نفهم كيف يفكر. لماذا لا ندين القاتل؟ لماذا لا نتظاهر ضد مَن يقطع الرؤوس ويحزّ الأعناق باسم السماء؟ لماذا لا نملك الجرأة ولو مرة واحدة ونقول “لا” للقتل مهما كان الثمن. العقل الغربي يرى أننا نتعاطف مع القاتل أكثر من المقتول.

خالتي ناديا.. بالله عليك.. اصنعي لنا كنزة حب شغل يديك الطيبتين.. نحن بحاجة ماسة لدفء المحبة.. لحب وبساطة زمنك.

*روائي من لبنان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.