لا شك في أنّ بشار شموط (متخصص في هندسة الصوت والتسجيل الموسيقي في ألمانيا) ابن الفنانَين الفلسطينيين التشكيليين اسماعيل شموط وتمام الأكحل، قد وضع لبنة في دراسته الأولى لجمع شتات التراث الفلسطيني المرئي والمسموع في كتابه «الإرث الفلسطيني المرئي والمسموع ـــــ نشأته وتشتته والحفاظ الرقمي عليه» (مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـــ 2020)، آملاً استكمال الخطوة بالمزيد من عمليات البحث والتنقيب عن صورة الفلسطيني وصدى صوته. صورة لطالما هَجِسَ الصهيوني المحتل بخنقها ووأدها وتلفها وجعلها رماداً منثوراً كالهباب.

عملية/مساهمة في التفتيش عن أماكن لجوء هذا الأرشيف وما أكثرها، ثم الحفاظ عليها بوسائل الرقمنة الحديثة. أدرك شموط منذ البداية صعوبة لملمتها، لا سيما أنّ ما هو متوافر هو بحكم المُصَادَر، إذ أنّه موجود في الأرشيف العسكري الإسرائيلي ومختوم عليه بقرار منع السماح بالاطلاع عليه، من دون أن يعني ذلك عدم توافر مراكز آمنة لهذا التراث الغني، وإن كان ما يحتاجه إنما هو مطابق لما يحتاجه الواقع الفلسطيني هذه الأيام من توحيد الجهود والإرادة الواحدة لإتمام العثور عليه.
خضعت فلسطين تباعاً لاحتلال عثماني، فبريطاني ثم صهيوني، ولاهتمامات المستشرقين والسياح والحجاج، فـ «تدفق مئات المصورين الأوروبيين إلى المنطقة»، ما جعل من تلك الأرشيفات موزعة في خزائن تلك الدول. لكن الأسوأ في ما يحاول شموط التركيز عليه وإعادة إحيائه، هو السعي الصهيوني لمحو الذاكرة الجماعية الفلسطينية، «إذ أنه في أثناء الاعتداءات الإسرائيلية العديدة التي شنّها الجيش الإسرائيلي، كانت قوات متخصصة تابعة للجيش تقوم بنهب منظم لعديد من المواد والوثائق التابعة للمؤسسات الفلسطينية، أو حتى لأشخاص وعائلات والاحتفاظ بها كغنائم حرب» (ص103). لكن وللأسف، لم يقابلها اهتمام رسمي فلسطيني ينقذ ما توافر من شتات هذا الأرشيف. أمر ينطبق على ضياع أرشيف «مركز الأبحاث الفلسطيني» في بيروت الذي صادرته إسرائيل أثناء احتلالها العاصمة في اجتياحها عام 1982 كما يذكر في أكثر من مكان. لكن شموط يعود وينقل ما قاله الدكتور أنيس الصايغ (رئيس مركز الأبحاث الفلسطينية من 1966-1977) بأنه «حرصاً على محتويات المكتبة، قام المركز بإعداد أربعة أفلام مصوّرة لمحتويات ملفات المعلومات، احتفظ بنسختين منها وأعطى نسخة لجامعة الدول العربية ونسخة لجامعة بغداد» (ص131)، ليعود مجدداً ويقول بأن محتويات المركز تمت إعادتها بوساطة فرنسية عام 83 مقابل تسليمها ثلاث جثث من جنود الاحتلال قتلوا في لبنان خلال اجتياح الـ 82 (ص102-103)..

ينتقد الكاتب غياب «الكشوفات والسجلات التي تحتوي على بيانات وصفية ومعلومات عن المجموعات والمواد المرئية والمسموعة الموجودة في الأرشيفات العربية والفلسطينية تحديداً»، باعتبار أن مهنة الأرشفة هذه غير متطورة في العالم العربي، مما يضطره إلى الاستعانة بما هو موجود في أرشيفات الدول الأجنبية. وقد تضمن الكتاب قوائم المجموعات والأرشيفات المرئية والمسموعة التي تم العثور عليها حتى الآن منها مجموعات مفهرسة كـ «صندوق استكشاف فلسطين» الذي تأسس عام 1865 تحت رعاية ملكة بريطانيا فيكتوريا (يثير نور مصالحة في كتابه «فلسطين في أربعة آلاف سنة» شكوكاً حول دور هذا الصندوق والخرائط التي رسمها لفلسطين)، ومجموعة «معهد غوستاف دولمان للدراسات الإقليمية لفلسطين» (كلية الدراسات الدينية – جامعة غرايفسفالد- ألمانيا)، وتتضمن «مجموعة نادرة من الصور الفوتوغرافية لفلسطين ما قبل الحرب العالمية الأولى وهي ذات قيمة علمية مميزة» (ص137)، ومجموعة صور في مكتبة الكونغرس الأميركية، وغيرها العديد من المؤسسات، مع الإشارة إلى الدور الإيجابي لـ «الأرمن الفلسطينيين في مجال التصوير الفوتوغرافي في التوثيق المرئي للحياة الثقافية الفلسطينية» ولدور الموسيقيين المسيحيين في الكنائس في فلسطين ومن أبرزهم سلفادور عرنيطة (1916-1984) الذي عمل على تأليف وتلحين مغناة درامية بعنوان «بطاقة هوية» وهي قصيدة للشاعر محمود درويش، كما صمّم غلاف الأسطوانة اسماعيل شموط وتم إنتاج هذا العمل في بيروت سنة 1971. أضف إلى ذلك أدوار أفراد مستقلين بدأوا بالتصوير الفوتوغرافي، ثم التسجيل الصوتي منذ أواخر القرن التاسع عشر، فكان عملاً تجارياً، إلى أن برز دور الباحث الموسيقي اليهودي الألماني روبرت لاخمان عام 1934 في فلسطين لأنها «تعكس التنوع الموسيقي الذي وٌجد على أرضها، وهي التسجيلات الإثنولوجية الفلسطينية الوحيدة في النصف الأول من القرن العشرين». ويلفت إلى «أن لاخمان تعرّض في أثناء عمله الأكاديمي في الجامعة العبرية في القدس للعديد من المضايقات من بعض العاملين في محيطه الذين رأوا أن عمله هذا يتعارض مع الرؤية الصهيونية للقادمين الجدد والمتعلقة بتجاهل أي وجود غير يهودي على أرض فلسطين» (ص53)، علماً أنّه قد توفي عام 1939.
مع تمييز شموط للدور الألماني في حفظ جزء من هذا الإرث (علاقات ألمانيا الديموقراطية مع منظمة التحرير الفلسطينية)، يقول بأنّ عدداً كبيراً من الأفلام بقيت محفوظة في الأرشيف الألماني بعدما نهب الإسرائيلي نسخها الأصلية، فيما يقلل من مساهمة المؤسسات الإعلامية العربية الرسمية ويتساءل عن مدى اعتبار أعمال هذه المؤسسات التي أنتجت عن فلسطين، ولم تكن من إنتاج فلسطينيين، أعمالاً تابعة للإرث الثقافي الفلسطيني؟ (ص98). ما يدفعنا إلى توجيه السؤال له: متى لم تكن فلسطين قضيةً عربيةً؟ وهل – بالتالي – يمكننا إلغاء ذاك الملصق الشهير الذي رسمته ريشة اسماعيل شموط لجمال عبد الناصر باعتبار أنّ الأخير ليس فلسطينياً! ثم من أين للمؤلف أن يكتفي بإرث الأخوين رحباني وفيروز، ويصفه بأنه «جزء من الإرث الموسيقي الحديث الخاص بفلسطين»، من دون أن يذكر النتاج الثقافي المرئي والمسموع في مصر من أجل فلسطين، ومثلها في غالبية الدول العربية؟!.

إشارة إلى الدور الإيجابي لـ «الأرمن الفلسطينيين في مجال التصوير الفوتوغرافي، والموسيقيين المسيحيين في كنائس فلسطين»

لن تنتقص ملاحظاتنا هنا من أهمية وميزة جهد بشار شموط لأنه عمل فردي أولاً، ولتشتت هذا الإرث ثانياً، وصعوبات عملية وعلمية ترافق البحث عنه. ومع ذلك، يسلّط شموط الضوء على إرث/ ذاكرة يُخشى ضياعها مرة أخرى، فلا يستثني توجيه سهامه لتأثير اتفاق أوسلو في النتاج الثقافي الفلسطيني حيث «نشأ بعد عام 1993 عدد من الأعمال الفنية البعيدة في مضمونها عن الموضوع السياسي أو النضالي أو الوطني. وفي منطقة رام الله تحديداً، وجد الجيل الجديد من الفنانين الشباب الطريق أمامه مفتوحاً، فبدأ يعمل في مجال الفن والإعلام ضمن المعطيات التي كانت تنسجم مع رؤية الداعمين الدوليين، وخصوصاً الغربيين منهم لمشروع أوسلو، وهكذا توافر كثير من المال لتلك المشاريع الإعلامية والفنية التي كانت في مضمونها بعيدة عن واقع الاحتلال» (ص101). ما يدفعنا للتساؤل ليس عن دور الصهيوني في نهب الإرث الفلسطيني لمحو ذاكرة شعبه، بل عمّن ينسق معه لمحو المحو، وحجّتنا أنّه بعد إنشاء متحف الذاكرة الفلسطينية على هضبة في جوار جامعة بيرزيت في الضفة الغربية وعلى مساحة أربعين ألف متر مربع ووصلت كلفة بناء المتحف الشاملة إلى نحو 24 مليون دولار أميركي، «لا يوجد فيه أية مقتنيات أو معروضات حتى الآن» (ص28)… سوى صورة افتتاح محمود عباس للمتحف بصفته رئيساً!


في سطور
وُلِد بشار شموط في بيروت وأمضى طفولته فيها في ظل الحراك الوطني والثقافي الفلسطيني في السبعينيات وأوائل الثمانينيات. أكمل دراسته الثانوية في ألمانيا ودرس بعدها هندسة الصوت والتسجيل الموسيقي، وأنتج العديد من التسجيلات الموسيقية لفنانين عالميين وعرب. ثم تخصص في مجال الأرشفة الرقمية للإرث المرئي والمسموع وحاز الدكتوراه في هذا المجال من «جامعة بادربورن» الألمانية المتخصصة في الإرث الثقافي وتقنية المعلومات الرقمية. وبالإضافة إلى عمله الحالي رئيساً لقسم الأرشفة في إحدى أكبر الشركات المتخصصة في هذا المجال في ألمانيا، يعمل منذ سنوات عديدة مستشاراً ومحاضراً في عدد من المؤسسات الأكاديمية في ألمانيا والوطن العربي