مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

الزاوية الطبية من حرمون.. كيف أثبت العلماء من خلال الشيفرة الوراثية أن فيروس كورونا ليس مُصنعاً في المُختبرات؟

في البداية، لم يتمكن العلماء من إثبات ذلك!

لم يتمكن العلماء من إثبات منشأ فيروس كوفيد-19 بشكل جازم ينفي الشك. وإن دحض نظرية المنشأ التصنيعي للفيروس بنسبة مئة بالمئة أمر أقرب إلى المستحيل (على الأقل، بما نمتلكه من تطور تقني في هذه اللحظة). إلا أن الأدلة التي توصل إليها العلماء تجعل من احتمال أن يكون الفيروس مصنعًا مخبريًا احتمالًا ضئيلاً حدَّ الإهمال.

إن شرح مسألة على درجة عالية من الاختصاصية بطريقة ميسرة يفهمها الجميع ليس بالأمر السهل. بين الإفراط الممل والتقصير المخلّ قدر شعرة! ما علينا.. هيا بنا..

لدينا مجموعة من الأدلة الرئيسة التي تنفي كون كوفيد-19 صنيعة بشرية، وحتى نعيها جيدًا سنبدأ بمقدمة بسيطة نبني عليها فهمنا:

كما تعرفنا سوية في مقال سابق [1] على تركيب الفيروس فإن كوفيد-19 يمتلك محفظة فيروسية تبرز منها نواتئ بروتينية، هذه النواتئ لها الدور الرئيس في الارتباط بخلايا الجسم مسببة العدوى. يمكننا تخيل آلية الالتصاق (فيروس-خلية) كما في قطعتي أحجية تتناسبان معًا فترتبطان، وبشكل أدق يكون ذلك على مستوى (ناتئ بروتيني- مستقبل خلوي)، هذا المستقبل الخلوي يكون في حالة كوفيد-19 مستقبلًا يدعى مستقبلACE2 اختصارًا لِـ Angiotensin-converting enzyme 2الإنزيم الرابط للأنجوتنسين 2.

*معلومة جانبية: يتواجد مستقبل ACE2 بشكل أساسي في خلايا الكليتين، وتكمن مهمته الرئيسة في ضبط ضغط الدم. إلا أنه يتواجد أيضًا في خلايا الرئتين، وهو مرتبط بالسعال الجاف الذي تسببه بعض أدوية ارتفاع ضغط الدم.

الآن يمكننا استعراض الأدلة النافية للمنشأ المخبري لكوفيد-19:

  • من المنطقي أنك حين تفكر في تصنيع فيروس فإنك ستستعمل قالبًا سابقًا تقوم بإجراء تعديلات عليه، لا أن تختلق فيروسًا من الصفر، هذا مستحيل عمليًا. حينما درس الباحثون الارتباط (فيروس-خلية)على المستوى الجزيئي أصيبوا بالاستغراب، إذ وجدوا أن الرابطة تتم بطريقة غير متوقعة، تختلف كليًا عن الآلية التي ترتبط فيها الفيروسات الأخرى التي تضمها المجموعة التاجية مثل فيروس MERS و SARS مثلاً، والمعروفة بإمراضيتها للبشر.

بتحليل الشفرة الوراثية لفيروس كوفيد-19 وجد الباحثون اختلاف الجزء المرمز لبروتينات الارتباط عن الفيروسات التاجية الأخرى. وهذا الارتباط هو أحد -إن لم يكن أهم- الصفات التي تمنح الفيروس قدرته على العدوى. إن أردت تركيب فيروس جديد ليس من المنطقي أن أجري تعديلات على هذه الخاصية. ستقول لي: لكن هذا ليس مستبعدًا بالكلية. أقول لك: قام الباحثون عبر استخدام مصفوفات حاسوبية (تُستخدم عادة في العلاج الجيني) بإدخال التركيب الجزيئي للمستقبل ACE2 كمعطى. استطاعوا التحصل عبر هذه المصفوفات على مختلف الاحتمالات الترميزية للحمض النووي الفيروسي التي تسمح له بتكوين بروتينات قادرة على الالتصاق بالخلية البشرية. لم تتطابق أي من هذه الاحتمالات الترميزية المنتجة حاسوبيًا مع الحمض النووي للفيروس. هذا ينفي بشدة احتمال أن يكون الفيروس مصنعًا مخبريًا.

  • أضف إلى ذلك أن العلماء بدراستهم للفيروسات التاجية التي تصيب الحيوانات، وجدوا تشابهًا في المواقع المرمزة للبروتينات المحفظية بين كوفيد-19 والفيروسات التي تصيب الخفاش وآكل النمل الحرشفي (أمّ قرفة) أو الـ Pangolin، ما يعزز نظرية المنشأ الطبيعي للفيروس.

تتساءل عزيزي القارئ؛ من هو آكل النمل الحرشفي؟ أمّ قرفة! لم أسمع بها مرة! وقد تستغرب، كيف لحيوان غير مشهور أن يحظى بكل هذا الاهتمام فجأة. ما لا تعرفه عن أم قرفة أنه الحيوان الأكثر تهريبًا في العالم، يتم هذا من أجل جلده الذي يُستخدم في الطب الشعبي الصيني، ولحمه الذي يعد أحد أطباق الأثرياء في الصين وفيتنام. صحيح أنك ربما لم تسمع يومًا بآكل النمل الحرشفي، إلا أن أغلبنا يعرف ساندسلاش Sandslash وساندشرو Sandshrew من مسلسل بوكيمون. لعل الرسام استلهم الفكرة من آكل النمل الحرشفي.

  • إضافة إلى الأدلة السابقة، فإن كوفيد-19 يمتلك في شفرته الوراثية 12 نوَويدًا (نكليوتيدًا) ترمز لأربعة أحماض أمينة. تشكل هذه الأحماض الأمينية موقع ارتباط على النواتئ البروتينية للفيروس. يرتبط إنزيم الفورين Furin الموجود في الخلايا بهذا الموقع فيعمل على فصله لجزأين سامحًا للفيروس باختراق الخلية بسرعة أكبر مما يعزز من عدوانيته. هذه التركيبة المورثية من النكليوتيدات غير موجودة في الفيروسات التاجية الأخرى. هذا يقلص بالطبع احتمال كونه معدلًا من فيروس تاجي سابق.
  • الدليل القوي الآخر الذي يدعم المنشأ الطبيعي للكوفيد-19 يتعلق أيضًا ببروتينات المحفظة الفيروسية، ولكن هذه المرة باحتوائها على مواقع تعمل على تثبيت بروتينات سكرية تدعى بالموسين أو المخاطين Mucin. تمتلك هذه البروتينات تركيبًا مخاطيًا وهي تتجول في الدم بشكل طبيعي، إلا أن ارتباطها بالفيروس يمنحه درعًا مخاطيًا، مما يكسبه قدرة أكبر على التخفي وعلى حماية نفسه من الجهاز المناعي. إن خاصية كهذه لا يمكن خلقها في مختبر، لماذا؟ لأنه من المستحيل محاكاة الجهاز المناعي البشري في التجارب التي تُجرى عادة على العينات النسيجية. ولهذا نجد دومًا هذين المصطلحين مرتبطين دومًا بالأبحاث العلمية؛
    • In Vitro: وتعني أن التجارب أجريت خارج جسم الكائن الحي، في الزجاج حرفيًا.
    • In Vivo: وتعني أن التجارب أجريت داخل جسم الكائن الحي، كما تعنيه حرفيًا.
    • وأخيرًا وليس آخرًا فإن من يفكر في صنع فيروس حتى يكون سلاحًا بيولوجيًا فلن يختلق كوفيد-19. بالنظر إلى معايير الإمراضية والوفيات يعد كوفيد-19 من الفيروسات الضعيفة نسبيًا فيما إذا أردنا مقارنته بالجمرة الخبيثة أو فيروس الإيبولا مثلاً.

يبقى أن نقول أن العلم يُبنى بطريقة جمع الأدلة من هنا وهناك، تتكاتف الأدلة سوية وتصبح الصورة في كل مرة أوضح. إن اللوحة التي نمتلكها عن كوفيد-19 ليست كاملة بعد، لكن الباحثين والعلماء والأطباء يعملون على الدوام لحل أحجية هذا الفيروس، ومع كل يوم جديد تصبح الصورة أكثر اكتمالًا.

أعزائي القراء، أتمنى أن مقالي كان ممتعًا ومفيدًا لكم.. تسعدني الإجابة على تساؤلاتكم..

دمتم بصحة وعافية.

المصادر:

The proximal origin of SARS-CoV-2

Escaping Pandora’s Box — Another Novel Coronavirus | NEJM

Clinical presentation and virological assessment of hospitalized cases of coronavirus disease 2019 in a travel-associated transmission cluster

No, the coronavirus wasn’t made in a lab. A genetic analysis shows it’s from nature

موقع حرمون

الهوامش

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.