مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#د.ادمون_ملحم: #فكرة_السلام في #القوميّة_الاجتماعيّة

 

د. ادمون ملحم

 

إن الدارس للفلسفة القوميّة الاجتماعيّة يستنتج بكل وضوح أن هذه الفلسفة الأخلاقيّة التي تصبُّ اهتمامها على قضايا الوجود تعمل على ترسيخ السلم الأهلي وتعميم ثقافة السلام والتعاون بين أبناء الشعب الواحد.

وهذه الفلسفة تأتي بفكرة السلام ليس فقط للأمة السوريّة بل للعالم العربي وللإنسانية جمعاء. في ما يلي تلخيص مختصر لفكرة السلام.

 

السلام القوميّ

الحركة القومية الاجتماعية تسعى لتطهير المجتمع من أحقاده الطائفية وأوهامه العنصرية وتصارع من أجل بناء النفوس بناءً جديداً في المناقب الجديدة التي تضمن توحيد الشعور والاتجاه وتؤسس لسلم مجتمعيّ ولحياة جديدة للأمة. وهذه الحركة تتوجّه إلى كل الشعب السوريّ من مختلف الطوائف والمذاهب والكيانات ومن مختلف العناصر والأصول الأثنية وتدعوهم جميعاً ليتوحّدوا حول قضية الأمة الواحدة: قضية حياتها واستقلالها وسيادتها ورقيها في عقيدة وحدتها الروحية والاجتماعية.. فلا تمييز بينهم على أساس الدين او الطبقة او العنصر بل الجميع متساوون في ملكيّتهم للوطن، كما يحدّد المبدأ الأساسي الأول من مبادئ الحزب: “سورية للسوريين والسوريون أمة تامة” والجميع متساوون في حقوقهم وواجباتهم ويتمتعون بوحدة روحيّة واحدة على أساس القواعد الإصلاحيّة التي تحتّم “إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب” و”منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين” واعتماد قانون قضائيّ – شرعيّ واحد تنتجه عقول التفكير الجديد – التفكير القوميّ الاجتماعيّ – ويحس الجميع بأنهم متساوون أمامه.. فعقيدة سعاده تشدّد على مبدأي المساواة والتعاون بين أبناء المجتمع السوريّ من أجل ترقية حياتهم وتقدّمها. ومتى سادت فكرة المساواة في المجتمع ينتفي عندئذ الشعور بالغبن والتمييز ويحلّ الشعور الروحيّ الواحد الذي يعزّز السلام والتراحم والتماسك والوحدة ويمنع المنازعات والانقسامات والعصبيّات والفتن المذهبيّة..

وفكرة السلام الكامنة في جوهر المبادئ القوميّة الاجتماعيّة هي فكرة متأصلة في النفسية السورية ونجد جذورها في الفكر الميثولوجي القديم (وخاصة البابلي) وفي تاريخ الأمة وتراثها الروحي والثقافي.. وكما يشير الدكتور حيدر حاج إسماعيل في الجزء الثاني من كتابه التعريفيّ بالحزب السوري القومي الاجتماعي – تاريخ الحزب من خلال آلام سعاده – فإن عقيدة السلام تجلّت بوضوح في تعليم الفيلسوف السوري زينون الذي خالف التفكير الأخلاقي اليوناني السائد في زمانه والقائم على اعتماد مجتمع المدينة الضيق كمحور لتفكيرهم الأخلاقيّ واعتبار أن الدولة المثلى هي دولة المدينة وما كان يجلبه هذا التفكير من صراع بين مدينة وأخرى.. تجدر الإشارة هنا إلى أن زينون جاء إلى أثينة، كما يشير سعاده، “من حضارة عريقة اجتماعية، ولذلك ذهبت محاولات أساتذته المستهترين لتحويله عن اجتماعيّته السورية دون أي تأثير على شخصيته”.[1] وأنشأ زينون المدرسة الرواقية التي أصبحت في ما بعد من أهم المدارس الفلسفيّة حتى يومنا هذا. واتجه هذا الفيلسوف الرواقيّ بتفكيره الأخلاقيّ الجديد نحو البشريّة جمعاء ودعا إلى قيام المدينة الأخلاقيّة الكونيّة: مدينة السلام البشريّة حيث إن كل البشر إخوة ويجب أن يتعاملوا مع بعضهم، كما لو كانوا أعضاء في دولة عالميّة واحدة، وقال:

يجب ألا تتخاصموا، يجب أن لا تتنابذوا، يجب ان لا يحارب بعضكم بعضاً، يجب أن لا يكون هناك تفريقات عنصرية بين مدينة ومدينة، لذلك أيها البشر إذا ما التقى واحدكم الآخر عليه ان يعامله كما لو كان إياه في مدينة كونية واحدة”.[2]

وبعد زينون الرواقيّ الذي بشَّرَ بالحب العالميّ في فلسفته الأخلاقيّة الجديدة جاء المسيح السوري بدين عالمي لينشر السلام بين أبناء البشر وليقول: “جئت لجميع الأمم وعلى الأرض السلام..” وبعد المسيحيّة جاء الرسول الكريم أيضاً بالعقيدة الإسلامية – المحمدية كدين للعالمين مبشّراً بسلام الله وبعدم التفرّقة بين الأجناس والأمم وبين عربيّ وأعجميّ إلا بالتقوى.

واستكمالاً لتراث الأمة الميثولوجيّ والثقافيّ ولرسالاتها السماويّة جاء سعاده برسالته القوميّة الاجتماعيّة الجديدة معتمداً فكرة السلام في صلبها وداعياً أبناء قومه لتحرير أفكارهم من العقائد المهترئة والأوهام الباطلة واعتناق العقيدة القوميّة الموحِّدة، عقيدة التسامح والآخاء القوميين، ليتحول المجتمع السوري المفتّت وبيئته الطبيعية الممزقة إلى مجتمع واحد قويّ ومتماسك ولتعود دورة حياته الحضارية والإنسانية إلى فعلها الطبيعيّ في تحريك جميع قوى المجتمع وجعلها في حالة نشاط وتعاون وإنتاج وعطاء وإبداع وفي حالة تجدّد وارتقاء وقدرة على حمل خطط التفكير السوريّ الجديد والإسهام الحضاريّ والإنسانيّ في بنيان العالم العربيّ وقيادته وفي ترقية الإنسانيّة جمعاء.

وللتدليل على وجود فكرة السلام في صلب الفلسفة القوميّة الاجتماعيّة جاء نشيد الحزب السوري القومي الاجتماعي ليعكس هذه التعاليم في مطلعه المتكرّر:

سورية لك السلام     سورية أنت الهدى

سورية لك السلام    سورية نحن الفدى

 

وسعاده يؤكد على الترابط بين فكره وفكر الفيلسوف زينون إذ يقول:

إنّ من يتأمل فلسفة سعاده في خطبه الممتلئة وفي كتابه «نشوء الأمم» يدرك الرابط العظيم بين فكره وفكر فيلسوف الرواقيّة، خصوصاً في الناحية الإيجابية البانية التي تعبّر فيها الفلسفتان عن نفسيّة عميقة متأصلة في المجتمع السوريّ.[3]

 

على أنّ سعاده كان أغنى بتمثيل جميع نواحي النفس البشريّة ومطالبها فلم يقتصر على ناحية الفكر، وإن لم يهملها، وجعل مطلب الحياة الأسمى تحقيق الحياة الحرّة الجميلة في المجتمع وتأمين عوامل رقيّها.

إنّ رسالة سعاده كرسالة زينون إنسانيّة في غايتها، وكل عودة إلى مبدأ الفكر والحياة عودة إلى الإنسان. و«إنسانية سعاده» إنسانيّة منظمة مسؤولة لا فوضى مائعة.[4]

 

يتبع جزء ثانٍ

المراجع:

[1] راجع مقالة بعنوان “من عهد زينون إلى عهد سعاده” منشورة في سورية الجديدة، سان باولو، العددان 54، 55، 1/3/1940

[2] حيدر حاج إسماعيل، التعريف بالحزب السوري القومي الاجتماعي- الجزء الثاني، تاريخ الحزب من خلال آلام سعاده، الطبعة الأولى، 1989، ص374.

[3] راجع مقالة بعنوان “من عهد زينون إلى عهد سعاده” منشورة في سورية الجديدة، سان باولو، العددان 54، 55، 1/3/1940

[4] المرجع ذِاته.

 

#د.ادمون_ملحم، #الفلسفة_القوميّة_الاجتماعيّة، #أنطون_سعاده، #فكرة_السلام، #زينون_الرواقي، #سان_باولو، #سورية_الجديدة.

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.