مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

فلسفة الرغبة في لوحة (ابن الإنسان) لرينيه ماغريت (1898 – 1967)

 

د.بهيّة أحمد الطشم*

 

لكلّ شيء علّته وفقاً لمبدأ العلّيّة ,وكذلك للسلوكيات عِللها وأسبابها ودوافعها,اذ أنّ عللنا النفسيّة هي رغباتنا المُشبعة وغير المُشبعة الظاهرة والمكبوتة.

كما أنّه لا يمكن أن نحصل على الصورة الصحيحة للشخصية دون الوقوف عند خطوطها العامة, والتي تنعكس في الرغبات الظاهرة والمستترة.

فالرغبات هي الجزء البارز من الشخصيّة,والتي تعمل على تنفيذ ذاتها عاجلاً أو آجلاً وبأشكال ووسائل متباينة,لذلك فتحقيق الرغبات يتأثّر بتباين العوامل التي تؤثّر فيها ,وكذلك الظروف التي تُعيق أو تسهّل تحقيقها وتغيّر مسارها في الأساس.

ويقول رائد التحليل النفسي سيغموند فرويدSigmond freud    في هذا السياق “كل نشاط مدفوع”All activity is motivated  , وحتى تلك التي تكون عَرَضيّة وغير ارادية أو التي لا تتفق مع ميولنا الأساسيّة ,فهي تُشبع رغبة معينة فينا.

ذلك أنّ كل نشاط نقوم به هو كناية عن اشباع لرغبة ما  سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

ولعلّ اللوحة التي نحن بصددها (ابن الانسان) وهي بريشة الرسّام العالمي  البلجيكي رينيه ماغريت,تلقي الضوء السّاطع على أفهوم فلسفة الرغبة وأبعادها السيكوولوجية والأنطولوجية.

على اعتبار أنّ صاحب اللوحة والتي رسمها سنة 1946 هي من أكثر اللوحات السريالية شهرة وأبرزها اكتنافاً لللغموض,ولا غرو فهو رائد السريالية ,حيث درس الفن في أكاديميّة بروكسيل للفنون وانتقل في العديد من دول العالم.

 

وتجدر الاشارة الى أنّ  الفنان المُرهف قد تأثّر بالسّياقات التي نشأ فيها وتطبّع  بنتائجها الفكرية,سيّما وأنّه عاش طفولة صعبة للغاية ,وحدثت له أكبر هزّة نفسية وهو في الثانية عشرة من عمره ألا وهي: حادثة انتحار والدته من خلال رمي نفسها بالنهر.

وبالعودة الى حنايا اللوحة المثيرة للجدل: يرتدي الرجل ثياباً حديثة ,ويقف أمام المتأمّل وهو محجوب الوجه بفعل ثمرة التفاح (رمز الرغبة والفتنة),هذا الانسان الذي هو من يوم آدم الى يومنا هذا والتفاحة لم تفارق عينيه ,حيث تُسُوقه رغباته ,ولا يكاد يرى غيرها الاّ بمقدار ما يرى الشخص الموجود في اللوحة,حيث يظهر فقط جزء طفيف من عينه اليسرى بعدما غطّت التفاحة نصف وجهه.

وبمُوازاة ذلك,يبرز جدار منخفض خلف الرجل ,ويتجلّى البحر وراءه ,وفوق البحر يظهر أديم السماء  الملبدّة بالغيوم الداكنة.

وكأنّ الجدار هو الحدّ الفاصل بين الذاتية المُطلَقة للرجل في اللوحة وبين العالم الاوسع الذي يرمز اليه الرسّام بالبحر الواسع,حيث يتماهى كل واحد مع رغباته وينظر الى العالم قاطبةً بعين نفسه أولأً واخيراً.

ولكن لا شيء أوضح ممّا يحاول الانسان اخفاؤه,اذ نجد في حيثيات الرموز لهذه الأيقونة تأمّلات ضمن مجال السيميائية وفلسفة اللغة.

ماغريت العاشق للفلسفة والمتأثر بها حدّ الشغف , وكان قد كتب صديقه فوكو كتابه (الكلمات والاشياء) بعد تأثره العظيم بلوحات ماغريت.

فقد فجّر الرسّام مكنوناته الشّعورية واللاشعورية على لوحته بالخطوط والألوان واختزل العديد من نماذج الشخصيات الذكورية,حيث نستذكر في اطار ذلك مغامرة آدم (أب البشرية) الذي افتقد سعادة الجنة في مغامرة لسعادة اكبر على الارض  بدافع الفضول المجنون.

 

وفي سِياق استقراء فلسفة الالوان : يدلّل اللون الأحمر في ربطة العنق على مفهوم المجازفة اللامحدودة ,وينمّ اللون الاسود عن سِمة الغموض,أمّا الأبيض فيُحاكي اكتناه الالغاز.

وترمز التفاحة الخضراء الى الرغبة المنغمسة في نفس الرجل وترنو الى الاشباع.

وبهذا الصّدد نستحضر قول رائد التحليل النفسي فرويد:”انّ الرغبات الخاصة اذا نشطت مرة,فهي تظلّ باقية في الفرد”.

ذلك أن الرغبات هي احدى حقائق الشّخصيّة.

ويبقى القول وكما قال الغزالي: “ان المحبوب الأول عند كل حيّ نفسه وذاته”.

و”معنى حبه لذاته أنّ في طبعه ميلاً الى دوام وجوده,لأنّ المحبوب بالطبع هو الملائم للمُحب”.

اذاً,توجد آلاف الرغبات عند الانسان وآلاف النماذج في الشخصيات,لكنّ الشخصيّة الأهم هي التي تملك زمام رغباتها بشكلٍ مُحَكم ومُعقلَن.

وفي الخلاصة, ما أرقى أن تكون الرغبات متسامية, اذ تتماهى والحدود المعقولة, بعيداً عن الازدواجيّة,السادية (تعذيب الحبيب) المازوخية( تعذيب النفس) , وبمنأى عن التطرّف في انتهاب اللذّات ,أو الطرق الملتوية في تحقيق الاشباع ليبقى الانسان سيّد نفسه,وليس أسيراً  لأي رغبة مهما كان نوعها, ومهما بلغ مبلغها, وما أجمل  مقولة سبينوزا في ذلك : “الانسان مَقوُد بعقله بالضرورة”.

 

*أستاذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية.

موقع حرمون، رينيه ماغريت، د.بهية احمد الطشم، فلسفة الرغبة، سبينوزا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.