مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#د.قصي_الحسين: #التعددية في #الإسلام

 

د.قصي_الحسين*

 

نريد أن نوضح أولا، أننا لا نقارب الإسلام هنا، بما هو معنى: دين و معتقد ملأ الدنيا وشغل الناس. إنما نريد أن نقاربه قطعا، من جهة المبنى الذي نهض عليه. من جهة أنه دولة بكل معناها السياسي والسيادي. دولة لها مفاهيمها الثقافية والإجتماعية والروحية. دولة لها مفاهيمها الإقتصادية: في أزمنة الحرب، كما في أزمنة السلم. فجعلت مفهومه لذلك يتمحور حول دارين: دار السلام، ودار الحرب.

 

الإسلام إذا، منفصلا عن معناه الديني وعن معناه الفقهي، وعن كل ما يتعلق به من ناحية العقيدة وسيرتها وشروحها وفقهها، إنما كان دولة ذات آفاق إمبراطورية واسعة، تحت دار الخلافة. وهذه الدار، كانت ترعى شؤون الناس جميعا. وقد إعتادت النظر في أمورهم وقضاياهم، لا من الزوايا الدينية والعقائدية، بل من زوايا الحياة العامة.

 

وتحت سلطة الخلافة، كان الناس يأتلفون في مجتمعاتهم. يتبادلون الخبرات، ويقايضون بالقدرات، ويعملون على المساهمة في بناء المجتمعات، بحسب ما يطيقونه، من ألوان العمل وفنون الإختصاص. وهذا ما كان يجعل التنوع الإجتماعي على كل الصعد، أمرا عاديا، إعتياديا، يتأسس بكل واقعية على فكرة قبول الآخر والتعاون معه، في شؤون الإختصاص، الذي يجمع بينهما.

 

إن توسع دولة الإسلام إلى أطراف الأرض الأربع، حتى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إنما يضع أمامنا لوحة تجسده، وتجسد واقعه، وتجسد طموحاته بين سائر الدول الصغرى والكبرى، التي كانت تعايشه، في جميع الأزمنة. كانت سياسة الدولة، هي القاسم المشترك، وكان تمايزه عنها، إنما يقع في التعددية والتنوع، اللذين إتسم بهما، كما لم يتسن لغيره من الدول.

 

عرفت دولة الإسلام، جميع الملل والنحل التي كانت منتشرة في العالم على مدى العصور المتعاقبة. و شكل ذلك غنى لها. فما من دين إلا وكانت له حصة في أرض الإسلام. وما من طائفة ولا فرقة دينية، ولا نحلة من النحل، إلا وتفيأت تحت ظلال الخلافة الإسلامية. أو تحت ظلال دولة الإسلام، أو عاشت بين مجموعاته، أو في كنفها، تشاركها المعاش اليومي، والحرية والسيادة، على الرغم من التنابذ معها، حتى حدود العنف والتشاجر والتقاتل، كما يجري عادة بين سائر المجموعات الإنسانية.

 

والسؤال الأساسي الذي يطرح علينا جميعا: ضمن أي عتاد رؤيوي، يمكن أن ندخل المنافسة الحضارية المطروحة أمامنا، ورؤيتنا تشكو من قدامة المناهج، ومن الإنعزال في دوائر ضيقة خصوصا حين يستمر التعامل مع الإسلام، كتجربة دينية، دون الوقوف على ثرائها، ودون تقدير عمقها، ودون النظر فيها من جميع الجوانب البنيانية للدولة ذات السيادة وللمجتمع المتنوع الذي عاش في ظلالها. ودون النظرللتعددية وللتنوع اللذين ميزاها أكثر من غيرها من الدول.

 

إن التنابذ بين مكونات المجتمع الواحد، مشروع ومفهوم، ولو أنه بغيض وممقوت في الوقت عينه. أما نبذ الآخر والعمل على تهميشه وعزله، بدعاوى شتى، فهو لمما لم يعرف في تاريخ الإسلام السياسي، ولا في دولة الخلافة التي نشات عنه. ولا في سائر الإمبرطوريات الإسلامية ولا في الدول الصغيرة المنشقة عنها.

التعددية في الإسلام السياسي، أصل من أصول دولة الإسلام. ذلك أنها تقوم على ما هو موجود في تاريخه التطوري، بمنازعه، في الفتوح والإنتشار التي عرفت له. وأما ما عرف من الإنغلاق والتقوقع، فلا يدخل في بنيانه السياسي ولا السيادي.

 

إن التعددية في الإسلام، إنما هي أصل الأصل فيه. وهي التي أتاحت له فرص النمو والإنتشار في جميع بلدان العالم. ومن خلال الإحتكاك بالآخرين، كانت تتم عمليات الفرز والضم باللغة العقارية. لأن دار الإسلام في السلم، وداره في الحرب، إنما كانت تدور على الأرض، للإنتشار في الأرض، لا في السماء.

 

*أستاذ في الجامعة اللبنانية.

 

#موقع_حرمون، #د.قصي_الحسين، #الجامعة_اللبنانية، #الإسلام، #التعددية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.