مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#د.نضال_الإمام_عميص: #الثورة_السوريّة_الكبرى وامتداداتها في #الأقضية_الأربعة*

 

د.نضال سليمان الإمام**

 

المقدمة:

في تموز الثورة والبطولة والانتصار،يطيب لنا التوقف عند محطات مضيئة من تاريخنا العربي الحديث،لنستلهم منها العبر والدروس المستفادة في حاضرنا ومستقبلنا..فليس محض صدفة ان تتزامن الذكرى المئوية للثورة السورية الكبرى عام 1925، مع ذكرى ثورة يوليوالمجيدة عام 1952،مع الانتصار التاريخي الكبير للمقاومة الاسلامية في حرب تموز 2006. بل هو مسارمتواصل الحلقات لأجيال من الثوار الاحرار الذين رفضوا الخضوع لارادة المستعمر الغاشم،وسطروا لنا بعظيم تضحياتهم  أروع الملاحم والبطولات.

ومن حرمون الثقافة والعراقةوالتاريخ اطل على جبل العرب الاشم لأقول لذلك الصنديد الرابض في ثراه،القائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان باشا الاطرش:نم قرير العين ايها البطل فسورية لازالت بخير..سورية لا زالت تقاوم.

سورية كلها بجنوبها وغربها وشرقها وشمالها لم تركع للتهديدات رغم الحرب الكونية التي شنت عليها من اكثر 100 دولة وعلى مدى 10 سنوات متواصلة

والاقضية الاربعة لازالت خزانا للمقاومة يرفد شرايينها كل يوم بالنبض والحياة.. و ويردم تلك الهوة  الكامنة في تفاوت الامكانات مع العدو بعظيم التضحيات

نعم هنا رجال اتقنوا ابجدية العروبة والانتماء،واشعلوا القرن االعشرين بالثورات والانتفاضات والمقاومات،وختموا سنواته بنصر اعجازي في العام 2000،وحققوا انتصارا  عظيما في العام 2006

هنا رجال اربكوا الهيمنة الاميركية وحالوا دون تفردها بقيادة العالم.. وقاوموا الغطرسة الغربية ببسالة وهزموها

وفي سورية خنساوات يتساقط ابناء احداهن الخمسة شهداء  وجل همها ان تكون الطلقة التي اردته  في صدره وليس في ظهره ليستحق  ان تقيم له عزاء.

 

  • تمهيد:

شهدت المرحلة التاريخية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى سيطرة الاستعمار الفرنسي على سورية ولبنان تحت ستار الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم.

 

وقد مارس الفرنسيون سياسة مزدوجة في المنطقة التي خضعت لانتدابهم. كانت هذه السياسة تبدو متناقضة في الظاهر لكنها شديدة الانسجام في المضمون والأهداف. ففي حين عمدوا إلى ضم بيروت وطرابلس والأقضية الأربعة إلى متصرفية جبل لبنان القديمة، سارعت إدارة الانتداب إلى تمزيق المقاطعات السورية إلى دويلات طائفية في جبل الدروز ودمشق وحلب وبلاد العلويين ممهدة بذلك الطريق أمام تركيا لابتلاع لواء الإسكندرون.

في لبنان، كانت السياسة المعتمدة تقوم على الضم والإلحاق. وفي سورية قامت سياسة الفرنسيين على التجزئة والتفتيت الطائفي. الهدف واحد في الحالتين: إغراق الوحدويين اللبنانيين بأغلبية طائفية معادية للوحدة، وتمزيق الحركة الوحدوية السورية وإضعافها كي تقلع نهائيا عن المطالبة بالوحدة وتعلن ولاءها للانتداب المرفوض([1]).

وكان سلطان باشا*الأطرش يعتبران تقسيم سورية الى دويلات معاكس لمصلحة الدروز،ومتعارض مع توجههم الوطني الوحدوي، ومع تكامل جبلهم الجغرافي  ووحدته التاريخية مع دمشق وحوران.

وفي الأقضية الأربعة تم اعلان السخط العام على السياسة الفرنسية المتبعة، واستمرت المطالبة بالوحدة السورية لدى جميع المراجع الوطنية والفرنسية،باعتبار ان هذه الأقضية وحدة لا تتجزأ عن أمها سورية والتي سلخت عنها قهرا بقرار المفوض السامي الفرنسي دون رغبة سكانها.

أولا: الأقضية الأربعة ترفض الانضمام لدولة لبنان الكبير 1920.

كانت فرنسا مصممة على تحقيق فكرة لبنان الكبير، أقصى أماني الموارنة الذين يشكون  من ضيق مساحة جبلهم وحرمانهم من السهول القابلة للزراعة، وقد وعد بذلك كليمنصو، رئيس الوزارة الفرنسية، البطريريك الماروني الحويك، حين قابله على رأس وفد من الأساقفة والعلمانيين غادروا لبنان في شهر آب 1919م لهذه الغاية على باخرة حربية فرنسية([2]).

أما مشكلة الأقضية الأربعة (بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا) التابعة لولاية سورية ظلت مثار أخذ ورد بالطرق الحبّية بين السلطة الفرنسية في بيروت والحكومة العربية في دمشق، وانتظار لحل القضية السورية حلا نهائيا بين الحليفتين (فرنسا وبريطانيا)، أو لظهور نتيجة الاستفتاء الذي اقترحه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية،  عبر لجنة  التحقيق الدولية “كينغ_كراين ، والتي ارسلت في عام 1919 الى المناطق العربية لتقف على رأي القادة والشعوب في المنطقة، وجاءت توصيات هذه اللجنة لتؤكد  أن الاكثرية الساحقة من السكان طالبت بالوحدة والاستقلال .فلما ظهرت هذه النتيجة خلافا لما كان يأمله الفرنسيون، لم يستطيعوا صبرا، فأعلن مفوضهم السامي في بيروت في أيلول سنة 1920 لبنان الكبير بحدوده ( الراهنة في نظره والموسعة على حساب سورية في الحقيقة) شاملة جبل لبنان، المستقل بموجب نظامه الخاص، ومدينة بيروت بأقضيتها الثلاثة، صيدا وصور ومرجعيون، ولواء طرابس ( عدا قسمه الشمالي المأهول بأكثرية علوية) والأقضية السورية الأربعة ( بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا).

وفي الوقت الذي كان فيه الأمير فيصل يسعى مع الحلفاء لاستقلال البلاد السورية، كانت بعض القوى اللبنانية تسعى بدورها لاستقلال لبنان، ولكن تحت الحماية الفرنسية، وفي 25 تشرين الأول ( أكتوبر ) 1919 قدم البطريرك الحويك مذكرة إلى مؤتمر الصلح الذي تحدث فيها باسم مجلس إدارة جبل لبنان مطالباً الاعتراف باستقلال تحت الانتداب الفرنسي، وهو الاستقلال الذي نادى به مجلس الإدارة في 20 أيار ( مايو ) 1919، كما طالب البطريرك بإرجاع البقاع إلى لبنان. وأخيراً التمس البطريرك ” أن يعهد بهذا الانتداب إلى حكومة الجمهورية الفرنساوية التي تتعطف بناءً على البند 22 من عهد جمعية الأمم بإيلاء لبنان معونتها وإرشادها “. وقد ذيل البطريرك مذكرته بالأسباب والحيثيات التي دعته لاتخاذ مثل هذا الموقف، ومنها الفروق القائمة بين لبنان والبلاد العربية من حيث التاريخ والعناصر والمستوى الاجتماعي مبرراً ذلك ” أن لبنان لا يطلب الاستقلال فقط وإنما يريد الاستقلال التام عن كل دولة عربية في سوريا”([3]).

ولاقت رغبة البطريرك الماروني لدى كليمنصو كل ترحيب وموافقة، وفي نفس الوقت كانت فرنسا تقوم في لبنان بممارسات وتعديات كثيرة على لبنان وحقوق اللبنانيين، فتعزل من تشاء  وتحاكم من تشاء دون الرجوع إلى مجلس إدارة جبل لبنان، فأبدى المجلس استياءه من تصرفات الجنرال غورو، وأصدر قراراً في 29 تشرين الثاني(نوفمبر) 1919استنكر فيه هذه التعديات، واحتج القرار على الصلاحيات الواسعة المعطاة للموظفين الفرنسيين وعلى تدخل الإداريين في أمور العدلية وفي أمور الموظفين اللبنانيين، وجاء القرار:” نرجو أن يحصل مزيد من التدقيق في جعل المساعدة معاونة حقيقية تزيد في حقوق ووظائف اللبنانيين القوة والترتيب والترقي، لا تسلطاً يغل الأيدي ويضعف شأن الحكومة الوطنية”([4]).

في منتصف حزيران (يونيو) 1919تنادى عدد كبير من سكان الساحل (بيروت، طرابلس، صيدا، صور، مرجعيون) والأقضية الأربعة ( حاصبيا راشيا، بعلبك، البقاع) لعقد اجتماع في بيروت في منـزل عارف العثماني، وقرر المجتمعون انتخاب مندوبين رسميين عنهم للمشاركة في المؤتمر السوري العام المزمع عقده في دمشق .

وفي 2 تموز ( يوليو)1919 عقد اجتماع قي منـزل سليم الطبارة- مستشار جميل الألشي المعتمد العربي في بيروت – وبالاقتراع السري انتخب عشرة مندوبين من بيروت، وأربعة عشر عضواً من مختلف المناطق والطوائف اللبنانية أعضاء في المؤتمر السوري العام. وكان للمسيحيين الوحدويين دور بارز، وكانت خطبهم في المؤتمر تطالب بالوحدة العربية والاستقلال الوطني مما أعطى المؤتمر جواً من الأمل([5]).

وتمثل البقاع في المؤتمر السوري العام بكل من السادة: سعيد حيدر ومحمد حيدر ( بعلبك )، تامر حمادة ( الهرمل ) ، فايز الشهابي ( حاصبيا ) ، ومراد غلمية ( راشيا ) ([6]).

§       معركة ميسلون 24 تموز ( يوليو ) 1920.

بلغت الأزمة ذروتها بين الجانب السوري والجانب الفرنسي في الأيام الأولى من تموز سنة1920 واستعد الحكم العربي في دمشق أن يبعث بوفد إلى أوروبا لعرض القضية السورية على مؤتمر الصلح. وجاء جواب الجنرال غورو من بيروت برفض هذه الخطوة قبل أن تجيب الحكومة العربية على شروط الإنذار الذي وجهه لها، وحرصت القيادة الفرنسية على إعلانه في 14 تموز لمناسبة احتفال فرنسا بعيد ثورتها. وكان الإنذار بشروط خمسة:

1 – وضع سكة حديد رياق – حلب تحت تصرف الجيش الفرنسي.

2 – قبول الانتداب الفرنسي على سورية.

3 – إلغاء التجنيد الإجباري وتسريح الجيش الذي كان أنشأه المؤتمر السوري بعد 8 آذار.

4 – قبول الأوراق النقدية التي أصدرها البنك السوري- اللبناني وهي مؤسسة مصرفية فرنسية لسورية ولبنان أنشأتها السلطة الفرنسية دون استشارة الحكم العربي بدمشق، وطبعت أوراقا نقدية فرضتها بقوة السلاح على السوق.

5 – معاقبة ( المجرمين …!!) الذين استرسلوا في معاداة فرنسا _ وهم ثوَّار وسياسيون من شتى الفئات والهيئات السياسية والوطنية.

وحددت مدة الإنذار بأربعة أيام تنتهي يوم 18 تموز. وطلبت الحكومة بتمديد المدة فوافق على تمديدها حتى نهاية يوم20 تموز، عندها اجتمعت الحكومة برئاسة الملك ووافقت على قبول الإنذار بحذافيره.

 

وما حدث في الأيام الأربعة التالية أن القيادة الفرنسية أعطت أوامر بالزحف على دمشق، متجاهلة قبول تمدد الإنذار، وزاعمة أنه وصل بعد الساعة المحددة، وزحف الجيش الفرنسي باتجاه دمشق ودخل وادي الحرير، نحو ميسلون دون أن يجد أية مقاومة تذكر لأن الحكومة كانت قد سرحت الجيش فور قبولها الإنذار الفرنسي.

وعبثا حاول الجانب السوري المفاوضة لإجلاء الجيش الفرنسي عن المواقع التي احتلها – مجدل عنجر ووادي الحرير إذ كانت أخبار نقمة الشعب وتظاهراته العدائية، وانتشار الجماهير المسلحة في الشوارع، قد بلغت سمع القيادة الفرنسية، التي عزمت هذه المرة على دخول دمشق عنوة لمعاقبة ( المجرمين) أعداء فرنسا..!!([7]).

كان التناقض والتنابذ والمساومة تجري على الصعيد الدولي سراً وعلنا، وتنعقد في مؤامرات  أو مؤتمرات لتصفية ( التركة العثمانية) وتقسيمها بين المحاربين الحلفاء، كان التناقض في الجهة العربية الداخلية يتخذ أشكال المقاومة الشعبية العنيفة للفرنسيين فيما كان الزعيم السياسي، يحاول أن ينقذ ما بين يديه من سلطة بالمساومة عليها ومن أجلها معتمدا على ما تبقى لديه من حسن ظن بنية الخصم الذي يجابهه. فكان الملك الشاب(فيصل) المفاوض الدمث القابل بإنقاص مظاهر الحكم بالثمن الغالي تدفعه البلاد دون جدوى.ومثل الطرف الفرنسي،عسكري عتيق ملىء رأسه بأخيلة الأمجاد العسكرية له ولدولته: الجنرال غورو قائد الحملة الفرنسية على سوريا. فكان المفاوض الشرس المتعالي، يفاوض ليفرض رأيه، ويناور ليركز هجومه. فهو حدد مدة الإنذار بأربعة أيام، ومددها حتى 20 تموز، لكن ما حدث في الأيام الأربعة التالية، أن القيادة الفرنسية أعطت أوامرها بالزحف على دمشق، متجاهلة قبول الإنذار، زاعمة أنه وصل بعد الساعة المحددة.

وضع غورو بنودا إضافية لتنفيذ شروط الإنذار وكان رد فيصل ضعيفاً مترددا ويذكر ساطع الحصري ( وزير المعارف) آنذاك:” أن وزير الحربية يوسف العظمة كان يرى من اليوم الأول… أن إعلان إدارة عربية في دمشق تشمل سوريا بجميع مناطقها يجب أن يرافقه تعبئة عسكرية وسياسية تصمم على القتال في سبيل الحرية والاستقلال… وكان يقدر بخبرة الرجل العسكري الذي يعرف نفسه ويعرف خصمه… أن فرنسا قد حشدت لسوريا جيشا كأنها لا تزال تخوض معارك حرب كبرى. وبرغم ذلك كان يقول للمفاوض السوري في الأيام الحاسمة من تموز ( أطيلوا المفاوضات واكسبوا بعض الوقت…) وكان من يسمع هذه الكلمات ممن يجهل الموقف العسكري يظن أن وزير الحربية يعد مقاومة…”([8]).

 

ويروي الشيخ طراف حيمور تلك الأحداث بمرارة المجاهد الغيور الذي ضحى بنفسه وأهله من أجل قضيته فيما كان الكثير من المندسين لغايات دنيوية دنيئة باعوا دينهم ودنياهم وخانوا الأمانة:” أنني منذ عام 1920تركت وطني المحبوب لأسباب قاهرة وعنف شديد من قبل الدولة الفرنسية بعد المصادمة العنيفة وبعد مغادرة جلالة الملك فيصل للشام….والذين كانوا يسهرون عند جلالة المرحوم فيصل للساعة الثانية ليلا وكان المرحوم مخلص لهم ويطلعهم على أسراره الداخلية والخارجية وباعتقاده أنهم مخلصون له وللوطن فما كان منهم بعد انصرافهم من جلسة جلالته وتزودهم فيما قاله وما هو مصمم عليه ومسعاه الخيري لإنجاح الأمة، فيذهبون مسرعين لدار المعتمد الفرنسي (كوس) ويخبروه بما دار بينهم وبين جلالة المرحوم حرفيا….. أرسل بوقتها جلالة المرحوم لمجدل عنجر قوة مع العتاد والمدافع الضخمة والجيش المنظم وكان عدد المدافع لا يقل عن مئة مدفع…. وقد وضعت في جبال السلطان يعقوب في البقاع وبأرض نبي الله (شيت) عليه السلام في جبال بعلبك وكان الجيش ينوب عن العشرين ألف مسلح من الجند المنتظم وكانت هذه القوة تقمع كل فتنة تقوم في جهات البقاع وسوريا وتصدها صدا متينا لموقعها الجغرافي هذا عدا عن العصابات التي كانت عونا على منع التعديات على الوطن كعصابة ملحم قاسم وعصابة المجاهد الكبير أحمد بك مريود وعصابة (الشيخ طراف حيمور )…..وبوقتها صدر الأمر في إعطاء كل عصابة ستون صندوقا من الجُبخَانة من التي موجودة في مجدل عنجر وكان الشعب هايج ومستعد أن يحارب ويكافح ويدافع عن الوطن المحبوب… وبوقتها حضر يوسف العظمة…إلى مجدل عنجر ووجد الجبخانة حاضرة لرؤساء العصابات لأجل أن يستلم كل منهم ستون صندوقا…. وبفي هذا الوقت حضر إلى مجدل عنجر الياس بك البحمدوني من زحلة وإبراهيم بك أبو خاطر ويوسف بك نمور – واختلى بهم قدر ساعة من الزمن. وبعد ذهابهم إلى زحلة قال يوسف العظمة ردوا كل شيء مكانه حيث تم الصلح واسترجع الذخيرة التي أمر للعصابات بها ووضعها في مقرها وأمر بتسريح الجيش كل يذهب إلى أهله. وفي اليوم الثاني، جر غورو العسكر وسار في سهل البقاع لا مدافع ولا منازع فقصد الشام وأول ما استولى على الذخيرة والمدافع…. واحتلت مجدل عنجر ….واقسم بالله …[أنه لولا تسريح الجيش ]…. لما تمكنت فرنسا من الدخول لوادي الحرير ووادي القرن بثلاثة آلاف عسكري سنغالي….

….والله والله لو بقي…[ الجيش في مجدل عنجر لما تمكن غورو من دخول سوريا بثلاثة آلاف جندي من السنغال والمغاربة الذين لا يعرفوا أن يدوروا في البلاد وما في إمكانهم خرق وادي الحرير ووادي القرن وأخذ دمشق والذي يراه الحاضر لا يراه الغائب وإنشاء الله يظهر الحق ويزهق الباطل في هذا التاريخ الذي يشبه الغربال يعرب الحنطة عن الزوان ويـبين من هم الأحرار ومن هم الخوان… وواجب كل مؤمن أن ينصح أخوه الحذر ثم الحذر، اجتنبوا الخائنين ولو نمتم على حجر واستميلوا إلى الكرام وابعدوا عن اللئام كما قال الشاعر:

لُذ بالكرام بني الكرام كراما          ودع اللئام بني اللئام لئامـا

تلد الكرام بني الكرام كراما          وتلد اللئام بني اللئام لئـاما ” ([9])

أما في دمشق ليلة 23 تموز فقد كان فيصل والوزراء موزعين بين الغرف، يستعرضون ما حدث وما يمكن أن يحدث، وكان يوسف العظمة ممتقع الوجه ،وقال  لمرافقيه  وهو دامع العين:” ….إني أعرف ما يجب علي وسأقوم بواجبي، ولست آسفا على نفسي، بل أسفي على الأمة التي ستظل سنوات كثيرة أو قليلة، هدفا لكل أنواع المصائب والمحن، وأني مطمئن إلى مستقبل الأمة لما رأيته وخبرته بنفسي، من قوة الحياة الكامنة فيها….”.

وللحقيقة  من الصعب أن يطلق اسم معركة على ما حدث في ميسلون، نظرا للفرق الكبير بين القوتين، ويوسف العظمة الذي كان يعلم بالنتيجة مسبقا، أراد أن لا يدخل الفرنسيون دمشق إلا بقتال مشرف للعرب، ومليس مستغرباأن يكون العظمة وزير الدفاع، هو الضابط الوحيد بين شهداء ميسلون، إذ لم يرد اسم ضابط قتيل آخر، نتيجة المعركة في كل المصادر التي تحدثت عنها([10]).

وكانت المقاطعات اللبنانية في الجبل والساحل قد خضعت للاحتلال الفرنسي قبل معركة ميسلون، ومن هذه المناطق انطلقت الجحافل باتجاه سورية، إذ تقدم الجيش الفرنسي من شتورا وزحلة نحو مجدل عنجر، ثم دخل وادي الحرير في اتجاه دمشق، وكان من الطبيعي أن يعمد غورو – بعد انتهاء العمليات العسكرية وانتهاء الحكم الفيصلي في سورية- إلى ترتيب الوضع اللبناني على القواعد الملائمة لمصلحة فرنسا من جهة ومصلحة حلفائها من جهة أخرى.

§       إعلان دولة لبنان الكبير1920

وتحقيقا لكل المواقف والتعهدات السابقة أصدر الجنرال غورو في 31آب سنة 1920 القرار رقم 318 حيث وردت في حيثياته أن لبنان الكبير يشتمل على الأراضي التالية([11]):

1 – لبنان الحالي.

2 – أقضية بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا.

3 – أقسام من الأراضي التابعة لولاية بيروت وبالشكل التالي:

أ – سنجق صيدا ما عدا القسم التابع منه لفلسطين بموجب معاهدات دولية.

ب – سنجق بيروت.

ج – القسم الذي يضم قضاء عكار في جزئه الواقع جنوبي النهر الكبير من سنجق طرابلس، قضاء طرابلس (مع مديريتي الضنية والمنية) ومع القسم الواقع جنوبي الحدود الشمالية للبنان الكبير من قضاء حصن الأكراد.

وفي اليوم التالي أي في الأول من أيلول سنة 1920، دعا الجنرال غورو قناصل الدول والوجهاء المحليين الموالين لفرنسا ورموز إسلامية قليلة وممثلي الطوائف ولاسيما بطريرك الموارنة الياس الحويك، ومفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا، وقاضي قضاة الشرع الشيخ محمد الكستي إلى احتفال يقام في قصر الصنوبر في بيروت، ودعاه باليوم التاريخي” الذي حصل فيه اللبنانيون على حريتهم وتخلصوا من جور المستعمرين” القى الجنرال غورو خطابا أعلن فيه ولادة لبنان الكبير… وقال: ” أمام كل هذه الشواهد على تمنياتكم، على نضالكم، على نصركم، وأنا أشارككم سعادتكم وعزكم، أعلن شرعية لبنان الكبير، وإني باسم الجمهورية الفرنسية أحييه بعظمته وبثروته ممتدا من النهر الكبير حتى تخوم فلسطين وحتى قمم السلسلة الشرقية”. وبعد أن مدح الفينيقين والإغريق والرومان، بدون أي إلماح إلى العرب الذين تبعوهم، هدد اللبنانيين بأسلوب غير مباشر بقوله: فلا تعرضوا أنفسكم للنقد في الساعة التي ألقيت علي عواتقكم أن تبثوا في بلادكم بمساعدة فرنسا روح الوطنية والاحترام والنظام، وإن فرنسا حاربت الجيش العربي من أجل اللبنانيين ” فمنذ خمسة أسابيع أطلق جنود فرنسا العنان لآمالكم فبددوا بقتال صبيحة واحدة في ميسلون فلول السلطة التي حاولت أن تستعبدكم، فلا تنسوا أن دم فرنسا الكريم أهرق من أجلكم”.

واسترسل الجنرال غورو في خلق الكيانات والدول الطائفية في البلاد السورية، وتراءى له أن خير وسيلة لشل الحركة الوحدوية هو تقسيم البلاد على أسس عنصرية وطائفية. فأصدر في الأول من أيلول سنة 1920 قرار بفصل حلب عن دمشق وجعلهما دولتين مستقلتين، وفي 30 منه أقام دولة اللاذقية، ثم أقام في آذار سنة 1921 حكومة في جبل الدروز، ثم أضاف إلى حلب لواء الإسكندرون ومنحه استقلالا ذاتيا([12]).

 

وهكذا فإن غورو المندوب السامي الفرنسي، قام بإلحاق الأقضية الأربعة حاصبيا وراشيا وبعلبك والبقاع، بلبنان وأعلن من قصر الصنوبر في بيروت ، قيام دولة لبنان الكبير([13]).

وفي 10 كانون الأول ( ديسمبر ) 1920 توج الكابتن دي فريكان ترابو ، حاكم دولة لبنان الكبير، القرارات الإدارية التي عززت دور زحلة بإصدار القرار رقم 206 الذي قضى بدمج المعلقة بمدينة زحلة ” اعتباراً بأن زحلة والمعلقة ، من سنجق البقاع ، لا تشكلان في الواقع سوى تجمع بشري واحد بالنسبة للموقع الطبوغرافي لهاتين المحلتين ، ولوحدة هويتهما في المصالح والمشاعر ، وللأهمية في إلغاء الفصل بين هاتين المدينتين الذي يشكل ضرراً لتطويرهما المشترك ، وفي إخضاعهما لنظام بلدي واحد ، انسجاما مع الأماني التي عبر عنها السكان المعنيون ، ونزولاً عند اقتراح حضرة متصرف سنجق البقاع ، يقرر الكابتن ترابو :

  • إعتباراً من أول كانون الثاني 1921، تدمج مدينتا زحلة و المعلقة في مدينة واحدة تسمى ” زحلة – المعلقة “.
  • تصبح المدينتان قومسيوناً بلدياً واحدا يتشكل بناء على رغبة وقرار المجلسين البلديين الحاليين، ويتولى إدارة مدينة زحلة – المعلقة.
  • تبقى مدينة زحلة – المعلقة خاضعة مؤقتاً لنظام قانون البلديات العثماني.
  • يكلف مدير المنظمة الداخلية، متصرف سنجق البقاع، ورئيسا بلديتي زحلة والمعلقة، كل بما يعنيه بتنفيذ هذا القرار([14]).

وبعد سقوط دمشق إثر معركة ميسلون وإنهاء حكم فيصل في سورية، يمكن تسجيل الملاحظات الهامة التالية:

1 –بدأحكم فيصل بالتحوّل من مفهوم الدولة العربية الواحدة التي تتسع لتشمل المشرق العربي كله ،إلى دولة سورية” فكيف حدث هذا التحول من العربي إلى السوري عند فيصل، وعند القوميين العرب، تحت تأثير الظروف السياسية الدولية، الإنكليزية والفرنسية، تلك السياسة التي اصطنعت الحدود الوهمية الفاصلة بين الدول العربية.

2– لقد كان فيصل المسؤول الاول عن هذا التحول، فلقد ظل طيلة عهده في سورية، يتبع خطة واحدة، وهي أنه كان يقتنع بما يسمع ويرى من الساسة الإنكليز والفرنسيين، ثم يحاول بدوره أن يقنع الوطنيين بذلك الذي اقتنع به هو،  ذلك أنه لم يعد العدة لامتلاك قوة كافية على ارض الواقع تمكنه من فرض شروطه على طاولة المفاوضات، ولم يستقر ابداعلى هدف ثابت يسعى لتحقيقه، فكان يفتقد  لرؤية القائد، لذلك كان يفرط بالأهداف – القومية العليا لاجل الأهداف الجزئية الصغرى، لأن الحصول على شيء ما ولو كان صغيرا في رأيه، خير من ضياع كل شيء،  وكان تحوله هذا رد فعل للسياسة الإنكليزية أو الفرنسية، ولم يكن تجاوبا مع الفكر القومي العربي السائد في سورية آنذاك بل بذل جهدا كبيرا حتى حوله إلى هدف سوري بدلا من عربي.

3 – كانت الدولة العربية في سورية التي يرأسها فيصل، أول محاولة لخلق دولة عربية مستقلة في آسيا، بعد خروجها من حكم الدولة العثمانية، وهو الحكم الذي دام اربعمائة سنة.

4 – كانت الأسباب الدولية التي خلقت هذه الدولة هي نفسها الأسباب التي مزقت البلاد العربية الآسيوية، وخلقت منها دولا منفصلة بعضها عن بعض، بعد أن بقيت موحدة مدة أربعماية سنة على الأقل، تحت الحكم العثماني ولهذا فقد كانت هذه الفترة، أخطر فترة مرت على البلاد العربية الآسيوية حتى الآن.

5 – كانت هذه الدولة قبلة أنظار القوميين العرب، الذين ناضلوا ضد الأتراك لاستقلال البلاد العربية ووحدتها، بالرغم من أنها لم تحقق أمانيهم الواسعة إلا أنها كانت محط آمالهم في إقامة دولة عربية واسعة موحدة، تعيد إلى العرب مجدهم بعد غياب طويل عن المسرح السياسي([15]).

وجدير بالذكر أن مساحة متصرفية جبل لبنان، بكامل أقضيتها السبعة كانت لا تزيد على حوالي 4500كلم2 معظمها من الأراضي الصخرية الوعرة المسالك، وتفتقر جميعها إلى السكن المديني بالمعنى المتعارف عليه، وتفتقر كذلك إلى السهول الساحلية والداخلية الواسعة والخصبة، المروية منها أو القابلة للاستصلاح الزراعي. يضاف إلى ذلك أن الأنهار الجارية بين جبالها ليست غزيرة المياه وجميعها قصيرة المدى. بالمقابل، اتسعت رقعة دولة لبنان الكبير لتصبح سنة 1920 أكثر من 10500كلم2. أي أن زيادة طرأت على متصرفية جبل لبنان فزادت مساحة دولة لبنان الكبير إلى حوالي 130% قياسا إلى لبنان الصغير أو المتصرفية، وضمت الدولة الجديدة مدنا كبيرة كبيروت وطرابلس وصيدا وصور وبعلبك، وسهولا واسعة وخصبة كسهلي البقاع وعكار وسهل البقيعة الصغير إلى جانب سهول صيدا وصور، ونهرا كبيرا هو نهر الليطاني، إلى جانب مجرى نهر العاصي الذي ينبع من الأراضي اللبنانية ثم يدخل الأراضي السورية.

ومن المعروف تاريخيا أن متصرفية جبل لبنان كانت تضم أغلبية كبيرة من المسيحيين تصل إلى قرابة 80% من مجموع سكان المتصرفية الذي قدّر بحوالي 414800 نسمة قبيل الحرب العالمية الأولى مباشرة. وكان عدد الموارنة بين الطوائف المسيحية قد وصل إلى 242308 نسمة أي قرابة ثلثي الطوائف المسيحية التي تسكن المتصرفية، يقابله عدد الدروز الذي وصل إلى 47290 نسمة أي قرابة الثلثين أيضا للطوائف الإسلامية فيها. لذا كان واضحا أن الموارنة والدروز شكلا معا 289598 نسمة، وهي نسبة تقل بأعداد ضئيلة عن ثلثي السكان من جميع الطوائف في المتصرفية، وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأعداد تقلصت بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى وما رافقها من مجاعة في جبل لبنان، وتشريد وأوبئة وغيرها.

ويمكن القول أن عدد السكان المقيمين في جبل لبنان قد ارتفع من 259060 مقيما إلى579778 مقيما في دولة لبنان الكبير حسب الإحصاء الأولي 1921. وهي زيادة تعادل تقريبا نسبة الزيادة في مساحة الأراضي بين المتصرفية ودولة لبنان الكبير وتقارب 130%، لكن الفارق بين الزيادتين أنهما حملتا تبدلا نوعيا في مجال السكن الطائفي في لبنان. فقد ارتفع عدد المسلمين من 85232 نسمة في المتصرفية إلى 265336 نسمة في دولة لبنان الكبير، وبزيادة كبيرة من حوالي 20% من سكان المتصرفية إلى 45% من سكان دولة لبنان الكبير([16]).

فالبقاع هذه المنطقة التي شهدت انقطاع الرباط الوثيق الذي ربط العرب بالدولة العثمانية على مدى أربعمائة عام – وهو الدين الإسلامي- على يد الإتحاديين الأتراك الذين استبدلوا هذا الرباط بالعنصرية التركية، ونهجوا سياسة إذلال العرب واحتقارهم، وفي نفس الوقت الذي دفع فيه الإتحاديون الأتراك العرب للانفصال عنهم، كانت أيد غريبة أخرى تمتد إليهم لتشدهم في نفس الاتجاه الإنفصالي، تلك هي أيدي الإنكليز الذين أظهروا للعرب الصداقة ولوحوا لهم بتحقيق آمالهم في بناء دولة عربية واحدة، فيما أبطنوا عكس ذلك عندما عقدت بريطانيا اتفاقية سايكس – بيكو 1916 مع فرنسا، لتقسيم واستعمار بلاد العرب، وكذلك وعدت اليهود بإقامة دولة لهم في فلسطين (وعد بلفور 1917 )، وكل ذلك على حساب العرب، وهو يناقض العهود التي أعطوها للحسين (مراسلات الحسين _ مكماهون)، بإقامة دولة عربية مستقلة كبيرة في القسم الآسيوي.

شاركت الاقضية الأربعة في الثورة العربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين وأعلنوا تأييدهم لقيام الحكومة العربية السورية في دمشق عام 1918، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن دولة فيصل لم تكن سوى محطة سفر، توقف فيها العرب بعض الوقت، في أثناء انتقالهم من حكم الأتراك إلى حكم الإنكليز والفرنسيين. فبينما كانت القيادات العربية تعمل على تنفيذ عهود الحسين – مكماهون، كانت قيادة الحملة الفرنسية في الشرق تخطط لتنفيذ اتفاقية سايكس – بيكو([17]).

وكان من شأن تطبيق اتفاقية سايكس – بيكو بين الخصمين الحليفين: فرنسا وبريطانيا، أن يضع القوات الفرنسية وجهاً لوجه مع قوات الجيش العربي الذي كان قد بدأ من دخوله إلى دمشق يمارس نوعاً من الحكم المحلي أدى إلى إعلان سوريا مملكة عربية مستقلة في الثامن من آذار عام 1920. لقد صدر إعلان الاستقلال عن ” المؤتمر السوري العام” الذي تمثلت فيه جميع مناطق البلاد السورية، ومنها الأقضية الأربعة وكان أعضاء المؤتمر يمثلون طموح الشعب العربي في سوريا الطبيعية (سوريا، لبنان، فلسطين)، إلى إنشاء دولة نواة لوحدة عربية. وكان الإعلان الصادر عن المؤتمر، يطلب جلاء جميع الجيوش الأجنبية عن المناطق المحتلة بما فيها لبنان وفلسطين. وأهم ما تميز به قرار المؤتمر السوري، أنه وضع حداً لسلسلة طويلة من المفاوضات منذ 1918 وحتى 1920، أشهرها مفاوضات فيصل – كليمنصو، التي كان يطمح الأمير فيصل من ورائها إلى تدعيم حكم وطني عبر معاهدة مع فرنسا.

وكانت ردود الفعل على قرار المؤتمر السوري كما يلي:

1- أن ابرز ما طبع الأشهر القليلة التي تلت إعلان القرار وحتى يوم ميسلون في 24 تموز، كان ذلك الحماس الشعبي العام الذي تجاوز حدود سوريا إلى جميع أنحاء البلاد العربية، فخلق روحاً قومية شديدة القوة، لا سيما بعد أن قرر المؤتمر تأليف جيش عربي نظامي يتولى الدفاع عن السيادة والكرامة.

2- أن فرنسا عزمت على تصفية نزاعها مع سوريا بالقوة، وأن بريطانيا أصبحت تعتبر إعلان الاستقلال خطراً على مستقبل نفوذها في فلسطين والعراق، فأعلنت بلسان ممثليها أن الحكم الوطني في سوريا ليس شرعياً، وأن القيادة فيه عسكرية تابعة غير مستقلة.

  • إن الحلفاء أعلنوا رسمياً، غداة إعلان الاستقلال السوري تقسيم مناطق نفوذهم إلى انتدابات. فسلموا الانتداب على العراق وفلسطين إلى بريطانيا، وعلى سوريا ولبنان إلى فرنسا، فكان إعلان الانتداب في مؤتمر سان ريمو، عام 1920، ضربة أليمة للعرب في جميع ديارهم، وخيبة مريرة لجميع ما عقدوا من آمال على ما سموا يومئذ بالحلفاء([18]).

عندما وجه غورو إنذاره إلى الملك فيصل، قام الجيش الفرنسي باحتلال بعلبك، وتراجع الجيش العربي إلى محور مجدل عنجر. وبدأت التحضيرات للهجوم على دمشق انطلاقاً من البقاع، فاحتل غورو جزءاً كبيراً من البقاع، وأقام هيئة أركانه في تعنايل. وهاجم الجيش الفرنسي قرى تمنين، قصرنبا وبدنايل حيث جرى شنق 9 رجال أوقفوا خلال عملية عسكرية موالية لفيصل. وبعد هزيمة الجيش العربي في ميسلون في الرابع والعشرون من تموز 1920، واحتلال دمشق وسقوط الدولة العربية فيها، قدم الجنرال غورو إلى زحلة حيث ألقى خطاباً في فندق القادري أعلن فيه ضم البقاعالى جبل لبنان ، ثم أعلن الجنرال غورو من قصر الصنوبر في بيروت، القرار رقم 318، قيام دولة لبنان الكبير([19]) . وانقسم الناس في الأقضية الأربعة إلى فريقين:

الفريق الأول:  رفض   المسلمون  عامة الولادة القيصرية لدولة لبنان الكبير على يد السلطة المنتدبة، وانعكس ذلك سلباً على المناطق التي أعلن ضمها إلى الكيان الجديد، إذ تشكلت الانتفاضات المسلحة، وخاضت رفضها عسكرياً في الاقضية الأربعة ومنها البقاع وتشكلت العصابات المسلحة في جبل عامل وطالت عكار والهرمل. وما لبثت أن أخذت طابعاً طائفياً، إذ اجتهد الانتداب في تجنيد المناطق المسيحية وبالتحديد المارونية للتصدي للثورة.

الفريق الثاني: يؤيد الانضمام، كما يؤيد الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان. وكان عدد المسيحيين الموارنة في البقاع قد ازداد بشكل ملحوظ في أثناء الانتداب الفرنسي بسبب انتقال بعضهم من الجبل إلى سهل البقاع وتمركزهم بشكل خاص في المدن الرئيسية كزحلة وبعلبك واشتغالهم في مجال الحرف اليدوية والتجارة. وكان أكثرية المسيحيين الكاثوليك في البقاع يسكنون في مدينة زحلة ويتوزع الباقي في أنحاء البقاع ما عدا منطقة الهرمل وكانت تربطهم علاقات متينة مع بعض المراجع الدينية والزمنية في أوروبا الغربية.

وكتبت جريدة “زحلة الفتاة” عن ضم البقاع إلى لبنان: “في 3 آب 1920، استقبلت زحلة الجنرال غورو وتحول الاستقبال إلى مهرجان كبير، وبين أهازيج النساء وأناشيد الرجال دخل غورو مزهوا بالنصر الى نزل قادري وأعلن ضم أقضية بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا إلى لبنان. وتوالى الخطباء يهتفون بحياة فرنسا وألقى رئيس بلدية زحلة وديع فرح كلمة قال فيها: “إن  مدينة زحلة تعد اختيارك لها منبراً يتلى فيه التصريح التاريخي، مكافأة لوفائها وولائها”([20]).

وكان الانقسام حاداً وعميقاً بين من يعتبر غورو عدواً قاهراً دخل البلاد عنوة بإراقة الدماء واستخف بمشاعر العرب والمسلمين عندما وضع قدمه بكل صلف على قبر صلاح الدين البطل التاريخي وقال له: “ها نحن عدنا يا صلاح الدين”.

وبين من يعتبر ذلك نصراً ومشاركة في الوفاء والولاء.

وفي قصيدة للشيخ طراف حيمور بعنوان: (خطاب إلى حضرة بطريرك لبنان) إيجاز للموقف حيث يقول:

يا حضرة البطريرك لقدام شوف         وكل طلعة في نـزلة قبالها

…بتكبروا لبنان بسهل البقاع                  بعلبك اللبوة وحاميتها رجالها

بعلبك اللبوة اشبالها تفك العسير        ولا نبقى بحكم لبنان الكبير

داخل بفكرك شعب سوريا فقير            فرس الأصيلة ما يعيبها جلالها

شفت في بيروت هالكام أرمني            منجيب لها أكراد تشغل بالها

منجيب لها اكراد تشغل فكرها                     حكاية قريبة وما نسيتو ذكرها

…وبجبل عامل فيها بشارتين                  بيقلبوا يمينـها عـاشـمالـها

بيقلبوا يمينـها وهذا أكيـد                 وكان أبو سمرة يصيح يا شديد

ان كان لك فكر تعملها من جديد       تجرتك ما جمعت رسـمالـها([21])

 

ثانيا: امتداد الثورة السورية إلى البقاع والأقضية الأربعة 1925.

بقي مطلب وحدة لبنان وسورية (بالإضافة إلى باقي المناطق السورية التي فصلتها معاهدة “سايكس- بيكو” عن سوريا الطبيعية أو بلاد الشام وهي: فلسطين وشرق الأردن) مطلبا إسلاميا في الغالب، بل على العموم، كما كان مطلب فئة لا يستهان بها من المسيحيين العروبيين. وقد استمرت المطالبة بإعادة وحدة البلدين منذ إنشاء الكيان اللبناني سنة 1920 وحتى استقلال الجمهورية اللبنانية عام 1943.

واتخذ السعي لتحقيق هذا المطلب، خصوصا في المناطق التي ضمت إلى جبل لبنان وشكلت معه” دولة لبنان الكبير” سنة 1920 شكل المقاومة المسلحة للانتداب الفرنسي، في حاصبيا وراشيا (وادي التيم) وجبل عامل، وفي البقاع وعكار. وكانت المقاومة المسلحة في هذه المناطق، وخصوصا المتاخمة منها لسوريا، تتأثر، إلى حد كبير، بالمناخ السائد فيها،وبالشكل الذي اتخذته أية حركة تمرد أو ثورة ضد الاحتلال هناك([22]).

  • إعلان الثورة السورية في جبل العرب في21 تموز 1925

كان لإعلان الثورة السورية على لسان قائدها العام سلطان باشا الأطرش أسباب عديدة،منها ماهو محلي يعود الى الغدر الذي لحق برجالات جبل العرب فقط، ومنها ماهو عام ومشترك يشمل جميع المناطق السورية، الناقمة على السياسة الفرنسية،وكانت الاسباب المحلية بمثابة اشعال لفتيل الثورة ،أما الاسباب العامة فهي التي حولتها الى ثورة كبرى امتدت لتشمل مناطق سورية كلها.

والجدير بالذكر أن سلطان باشا لم يتوقف أبدا عن التفكيروالإعداد للثورة،منذ انتهاء انتفاضة  عام1922،التي  كان قد خاض غمارها مجبرا بعد ان فشلت كل مساعيه لاطلاق سراح ضيفه أدهم خنجر، والواجب ،حسب التقليد المتبع في جبل العرب يقضي بحفظ كرامة الحمى المنيع الذي استباحه الفرنسيون مهما كانت النتائج.وفي الرابع عشر من تموز عام 1925 قام ساراي باستدراج ثلاثة من زعماء الدروز الى دمشق ،وهناك غدر بهم واعتقلهم، وهم حمد ونسيب وعبد الغفار الأطرش، فما كان من سلطان باشا الا ان اتخذ قرار الثورة، وبارك  شيوخ العقل هذا القرار على لسان الشيخ علي الحناوي . وفي السابع عشر من تموزسار سلطان باشا من القريا ومعه خمسة عشر فارسا الى بكا ومنها الى ام رمان، وفي اليوم التالي وصل الى امتان وملح،حيث كان بانتظاره مائة خيال من الحرس السيار، ومن ملح ارسل الرسائل الى أعيان المقرن الشرقي يستفزهم للقتال.وفيما كان مع الثوار في عرمان،حلقت فوقهم طائرتان فرنسيتان،فاطلقوا عليهما النار واسقطوا احداهما  واسروا الطيارين، وقام الثوار باحراق دار البعثة الفرنسية في صلخد، فجرد الفرنسيين حملة بقيادة نورمان لالقاء القبض على سلطان في بلدته القريا، ولكن بعد ان تلقى تحذيرا تابع سيره الى الكفر وتمركز مع جنوده عند نبعها.

وكان من عادات الدروز عدم اخذ العدو غدرا،فارسل سلطان قاسم الاطرش وعبد الله العبد الله لمقابلة نورمان ونصحه بالانسحاب، وتسليمه رسالة لينقلها الى الحكومة الفرنسية  تتضمن اعتراضا على سياستها الاستبدادية في سوريا،فما كان من نورمان الا ان رفض مطلبهم وقال لهم:” اذهبوا الى سلطان وقولوا له انني بانتظاره على احر من الجمر في هذا المكان” .

لم يدعه سلطان ينتظر طويلا،وفي الواحد والعشرين من تموز،سارمن صلخد الى الكفر،بعد ان قام بتنظيم الثوار في فريقين: المشاة سلكوا الطريق الوعرةمن ناحية الشرق،والفرسان سلكوا الطريق الاقل وعورة من ناحية الغرب ، وهو امامهم يتحدى الردى ، وباغت الفرنسيين بهجوم حال بينهم وبين اسلحتهم الثقيلة،  فخر نورمان صريعا ،ولم ينج من جنوده الاخمسة تمكنوا من اللجوء الى السويداء ونقلوا الخبر الى توما مارتان.

وبعد انتصار الكفر ،تسابق فرسان جبل العرب لتلبية النداء ،وحدد سلطان موعدا لاجتماع البيارق في الثلاثين من تموز ، وانتشر الثوار بين إزرع والسويداء لمواجهة الحملة الفرنسية الزاحفة الى الجبل،وكان ساراي بعد تلقيه نبأ هزيمة الفرنسيين في الكفر ،قد اعطى الاوامر الى الجنرال ميشو لاخماد الثورة بسرعة. وقد تمكن من استدراج الثوار الى الكمين المعد لهم في تل الخروف،فتساقطوا بالعشرات امام الاستحكامات الفرنسية، وكان من بينهم حمد البربور ،رفيق سلطان،وكانت ضربة موجعة للثوار، لكنهم تمكنوا من ردها للجنرال ميشو مضاعفة عندما انقضوا على مؤخرة جيشه ،واعملوا السيف في رقاب جنوده وابادوا معظمهم،وغنموا كثيرا من الذخيرة والعتاد والمؤن.

  • الانتصار الكبير في معركة المزرعة

زحف الثوار بقيادة سلطان الى نبع المزرعة فجر يوم الثالث من آب، واحاطوا بالجيش الفرنسي الذي كان يخيم عنده ،واقاموا استحكاماتهم حوله،وكان هدفهم الالتحام بهم ليبطلوا عمل اسلحتهم الثقيلة، وبالفعل تحولت المعركة في معظمها لقتال بالسلاح الأبيض،واستطاعوا بسيوفهم وبنادقهم القليلة أن يبيدواالحملة الفرنسية التي تفوقهم عددا وعدة،وسطروا اروع ملحمة في تاريخ سورية الحديث،وثأروا لمعركة ميسلون، واثبتوا للجنرال غورو انهم احفاد صلاح الدين.

كان انتصار المزرعة انتصارا يشبه الأساطير، لكن لم يحسن استخدامه، فلا الثوارواصلوا تعقب الفرنسيين المهزومين شر هزيمة،ولا المناطق السورية هبت بسرعة لتكمل ما بدأه الدروز . ويقول عبد الرحمن الشهبندر في مذكراته:”أخطأ الدروز فلم يواصلوا الزحف على الشام بعدما أفنوا حملة ميشو،وخلعوا قلب الجنرال ساراي من موضعه.وبذلك اضاعوا فرصة ثمينة،ولم نكن نحن في الشام على استعداد بعد لجني ثمر هذا الانتصارالفجائي الباهر”.

لا شك ان التحضير للثورةيتطلب بعض الوقت، لكن إطالة مدته حتى بلغت الشهرين ونصف في حماه،وثلاثةاشهر في دمشق،سمح للفرنسيين ان يلتقطوا انفاسهم،ويكملوا استعداداتهم لسحق الثورة في الجبل وسائر المناطق.

  • الثورة في حاصبيا :

امتدت ثورة جبل العرب  غربا نحو الجولان، ومنه اجتازت حدود لبنان الشرقية نحو السفوح الغربية لجبل الشيخ أو (ما يسمى منطقة العرقوب) ثم نحو وادي التيم (حاصبيا وراشيا) ولم تكن تلك الحدود، التي اصطنعها الانتداب الفرنسي، عائقا أمام امتداد هذه الثورة نحو لبنان([23]).

وكانت نفوس أهل وادي التيم مهيأة للثورة ضد الاحتلال الفرنسي، بسبب سلخه عن سورية وضمه إلى لبنان، لذا لاقى ثوار جبل العرب في بلاد التيم، ترحابا وتأهيلا، وخصوصا في القرى الدرزية منها، ودخلت قوة من رجال الثورة بقيادة ” حمزة الدرويش” حاصبيا ( في 9 تشرين الثاني سنة 1925) دون قتال، وكانت مفرزة من الجيش الفرنسي متمركزة في حاصبيا، فاستجارت بالشيخ حسين قيس، قاضي المذهب الدرزي، في “خلوة البياضة” ثم خرجت تحت حمايته إلى مرجعيون والنبطية. وقد رحب أهالي حاصبيا بالقادمين وانضم نفر غير قليل من شباب البلدة إلى الثوار، وكذلك فعل العديد من شباب قرى العرقوب ( شبعا وكفرحمام والهبارية وكفرشوبا)([24]). وقد أذاع زيد الأطرش ( قائد الحملة) بيانا يطمئن فيه مسيحي حاصبيا وراشيا، ومما جاء فيه: ” بلغنا، من الوطنيين الأعزاء، أن بعضكم داخلهم خشية من الحملة الوطنية في جوارهم، فاخذوا ينـزحون توهما منهم أن الثورة الوطنية قد تسبب لهم بأذى، فساءنا هذا الخبر وآلمنا جد الألم، لأنهم أخوان لنا، لا عداوة بيننا وبين أي كان من الطوائف الأخرى” وينهي بيانه هذا بقوله: ” أننا نرجو أن نثبت لكم، عن قريب، أن المبدأ الرئيسي الذي تستند إليه حركتنا القومية هو ما صدرنا به هذا الكلام: الدين لله، والوطن للجميع”.

عقد الثوار اجتماعا في حاصبيا في (16تشرين الثاني سنة 1925) وقرروا” عدم التعرض للبنان، وان ينحصر نشاطهم في المناطق التي سلخت من دمشق وضمت إلى لبنان الكبير”. وبعد قرار القادة بنسف جسر الليطاني، وتعيين” فؤاد بك سليم” للقيام بهذه المهمة، زحف فؤاد سليم، على رأس ثلة من الثوار، من بينهم: شكيب وهاب وحسين مرشد بك وإبراهيم حمود وحمد صعب وصبري فريد ونزيه المؤيد العظم وأحمد الزرعاوي وسعيد اليماني وغيرهم، حتى وصل إلى مقربة من الجسر، وكانت حاميته مؤلفة من نحو مايتي جندي، إلا أنها كانت مختبئة ومتمركزة فوق هضبة تعلو الجسر مقدار عشرة أمتار على مسافة مترين فقام الثوار بحفر الحفر لحشو المواد المتفجرة، وكانت هذه المواد كناية عن قنبلتين من قنابل الطائرات التي لم تنفجر. وقد أعد رجال الثورة “النسفية” التي أخذت تشتعل ببطء لكي تنفجر فتهدم الجسر وتباغت حاميته من الجند الذين ذهلوا للمفاجأة وبدأ بإطلاق النار في كل اتجاه على غير هدى، بينما كان الثوار يعودون أدراجهم، بهدوء وطمأنينة إلى مواقعهم في مرجعيون دون أن يلحق بهم أي أذى([25]).

وبعد أن وصل الثوار إلى وادي التيم، باشر قواد الحملة بتشكيل حكومة للسهر على تأمين مصالح العباد، وتوطيد دعائم الأمن. فرشح لتسلم كرسي رئاسة الحكومة الأمير حسني الشهابي وللمحاكمة العسكرية سامي بك شمس. وبينما كانت قيادة الحركة تهتم بأمر الوصول إلى هذه الغاية إذ وردهم نبأ بأن الفرنسيين بدأوا بإحداث القلائل وتشويش الآراء، وتوسيع دائرة المناوشات في راشيا فوطدوا العزم على استئصال شأفتها ووضع حد لدسائس المستعمرين. ويبدو أن آراء الجميع اتفقت على تشكيل الحكومة التي أطلق عليها اسم (المجلس الوطني) برئاسة نسيب غبريل، وعضوية سامي شمس ونجيب الأميوني، على أن تتشكل إدارة محلية برئاسة فضل الله الأطرش للاهتمام بالناحية الأمنية.

وبعد احتلال كوكبا ومرجعيون واصل الثوار زحفهم إلى راشيا بعد أن بلغتهم أنباء تعديات الفرنسيين وأعوانهم على الدروز هناك، فدخلوها وهاجموا قلعتها، فسيطروا على معظم أقسامها، لكنهم آثروا الانسحاب إلى المرتفعات خوفا من التطويق والوقوع بين فكي كماشة القوات الفرنسية الزاحفة إليهم من اتجاهين: من دمشق ولبنان.

  • الثورة في راشيا:

وعن معركة راشيا يتحدث قائد الثورة السورية سلطان باشا الأطرش فيقول:” وفي مساء 24 تشرين الثاني عام 1925، تمكنت هذه القوة ( القوة الفرنسية) من دخول بلدة راشيا مع القوات الأخرى التي جاءت لنجدة الحامية الفرنسية في قلعتها، ولقد كان بوسع قيادة حملتنا أن تأمر بالقضاء عليهم في داخل القلعة، وأن تحشد جميع قواتها في خط دفاعي شمال البلدة، لتمنع النجدات الفرنسية من الوصول إليها، بل أكدت لنا في بعض تقاريرها أنها فكرت بتحويل خطتها الدفاعية إلى خطة هجومية تجتاح بموجبها سهل البقاع، وتحقق هدفها الكبير بقطع طريق دمشق –بيروت ، وسد منافذ هذا السهل، المؤدية إلى وادي التيم جنوبا ، في وجه القوات الفرنسية، ريثما ينقضي فصل الشتاء الذي كان على الأبواب. غير أن القيادة الفرنسية كانت ، على ما يبدو ، تحسب لجميع هذه الاحتمالات حساباً دقيقاً، إذ أنها في الوقت الذي كانت تعد فيه العدة  لإرسال النجدات إلى راشيا راحت تعمل على تسيير نجدة كبيرة أخرى بقيادة الكولونيل” كليمان غرانكو”يصد بها إلى وادي التيم الجنوبي، عن طريق النبطية- مرجعيون، فيحتل حاصبيا ثم يواصل زحفه نحو الشمال ليحكم الطوق مع النجدات القادمة من الشمال، على حملتنا في بلدة راشيا. فذلك ما جعلها تتخذ قرارها الحكيم بالانسحاب من القلعة المحتلة والتراجع إلى القرى الجبلية المجاورة قبل أن تقع بين فكي الكماشة ويصبح أمر انفكاكها من الحصار المضروب عليها عسير المنال”([26]).

وهكذا تراجع الثوار عن راشيا، واتجه أكثرهم إلى حاصبيا حيث أجمعت الآراء على وجوب الخروج منها والعودة إلى مجدل شمس للتمركز فيها من جديد، في حين تقدمت طلائع الجيش الفرنسي، الذي تحرك باتجاه وادي التيم بقيادة ” غرانكو” وخيمت بجوار لبايا، شمال غرب حاصبيا، حيث تصدى ٍلها الثوار بقيادة الشيخ علي شجاع وفارس سري الدين، وظلوا يناوشونها حتى طلوع النهار فسقط منهم بضعة شهداء([27]).

في مطلع عام 1926، حدثت عدة معارك واشتباكات في منطقة البقاع وراشيا وكان من أهمها على التوالي:

§       معركة حمّارة ([28]).

أخذت القيادة الفرنسية تعتمد، في بعض الأحيان، على قوات من الدرك اللبناني في ملاحقة الثوار واستطلاع حركاتهم في المنطقة . ومع أن الثوار كانوا يتحاشون الاشتباك مع تلك القوات المحلية تنفيذاً لتعليمات القيادة. ورغم ذلك فإن الفرنسيين كانوا يدفعون بهؤلاء المتفرنسين، إلى قطع الطرق على الثوار، ونصب الكمائن لهم، وإلقاء القبض على (المكاريه) ومصادرتهم وزجهم في السجون، مما حفز فريقا من الثوار لمهاجمة قوة كبيرة من الدرك في قرية حمارة. فدارت معركة استمرت نحو ساعة من الزمن بين الثوار وقوة الدرك تم خلالها محاصرة الدرك مما دفعهم لوقف إطلاق النار والاستسلام دون قيد أو شرط، فغنم الثوار سلاحهم وخيلهم، وساقوهم إلى مركز القيادة أسرى، حيث أطلق سراحهم بعد فترة قصيرة([29]).

§       معركة مجدل عنجر.

وفي شهر كانون الثاني( يناير) عام 1926 عقد اجتماع كبير في قرية سلطان يعقوب ( المحاذية لحمارة إلى الغرب منها ) بحضور نسيب الداوود وعدد كبير من أعيان ووجوه القرى التالية: مجدل عنجر، سلطان يعقوب، البيرة، الرفيد،  المحيدثة، بكا، مجدل بلهيص، يحمر، خربة روحا، كفردينس ، ينطا، حلوة، كفرقوق، عيحا، بكيفا، عين عطا، ميمس، حمّارة، الكفر … كما حضره مائة من أفراد حملة الإقليم وقد تقرر ما يلي:

  • تشكيل لجنة مؤلفة من: نسيب الداوود، مرعي حاطوم، مجيد جمال، وحمد قرقوط لشراء الأسلحة بالأموال التي تبرعت بها هذه القرى المذكورة في الإجتماع.
  • احتلال بلدة مجل عنجر والتمركز فيها للسيطرة على طريق بيروت – دمشق.

لم يلبث نفر منهم أن تولى مهمة قطع هذه الطريق الهام، فسدوها بالحجارة الكبيرة، ودمروا خطوط الهاتف القائمة على جانبها، وقبل أن يفرغوا من ذلك، اشتبكوا مع دورية فرنسية هرعت إلى المكان وحاولت عبثاً إصلاح خطوط الهاتف وإزالة الحجارة، فقتل من عناصرها بضعة جنود، واستشهد المجاهد توفيق حاطوم، وعاد رفاقه ليدفنوه. وبعد ذلك التقوا بقية إخوانهم الذين كانوا بانتظارهم لمهاجمة مجدل عنجر، حيث باشروا باحتلال مخفر الدرك، وقاموا بأسر كل أفراده ما عدا إثنان منهم تمكنا من الفرار والوصول إلى أقرب مركز للقوات الفرنسية في البقاع، حيث أحاطوا قيادتهم علماً بذلك، فوجهت قوة عسكرية كبيرة معزّزة بالآليات المدرعة لتطويق الثوار في مجدل عنجر والقضاء عليهم في الليلة نفسها، غير أن ضابط درزياً من ضباط القوة الفرنسية هو أسد جمال، بعث من يخبر الثوار بوجوب الانسحاب من مواقعهم قبل أن يحيق بهم الخطر.

ومع ذلك فقد سقط للثوار ستة شهداء وعشرة جرحى خلال اشتباكهم بالقوة المداهمة والتي كانت تحاول أن تفرض عليهم طوقاً([30]).

§       معركة كفرمشكي.

تقرر الاستيلاء على هذه القرية، بعد أن تمادت العناصر المعادية للثوار فيها بأعمالها الاستفزازية ونصبها الكمائن لدوريات الثوار الاستطلاعية، فانقسم الثوار إلى ثلاث مجموعات لمهاجمتها:

  • مجموعة حمد صعب من الجنوب وتتألف من ثلاثين مجاهداً.
  • مجموعة أحمد سليمان هاني من الشمال وتتألف من خمس وعشرين مجاهداً.
  • مجموعة شكيب وهاب من الغرب، وتتألف من نحو خمسين مجاهداً.

دامت المعركة بضع ساعات،  استولى الثوار بعدها على القرية ومخفرها الحصين وكبدوهم أربعة عشر قتيلاً([31]).

§       معركة البيرة والرفيد

توجهت قوات فرنسية كبيرة لملاحقة الثوار الذين انتشروا في قرى البيرة والرفيد والمحيدثة، فنشبت معركة رهيبة استمرت يوماً كاملاً، استشهد منهم أربعة وجرح عدد كبير مما دفعهم للانسحاب باتجاه الشرق ونزلوا في خربة روحا وكفردينس، فلاحقتهم القوات الفرنسية بقيادة الكولونيل ” أفور ” وحاولت تطويقهم، ولكنهم صمدوا وضلوا يسدون عليها المسالك الوعرة المؤدية إلى القريتين إلى أن حضر لنجدتهم المجاهد نسيب الداوود، على رأس مجموعة من أهالي القرى المجاورة، وهب لنجدتهم أيضاً محمد شرف على رأس مجموعة من فرسان الجبل، ودفعوا قوات العدو للتقهقر والتراجع باتجاه راشيا بعد أن خسرت نحو مائتي قتيل وجريح، في حين استشهد للثوار عشرين شهيداً، وجرح نحو عشرة منهم جروحاً بليغة([32]).

§       معركة ينطا.

قررت القيادة الفرنسية للجيش الكبير الذي كان يقوده في راشيا ” كلمان غرانكور ” الزحف باتجاه الشمال في أواخر شباط عام 1926، لتطويق قرية ينطا، التي آوى إليها شكيب وهاب ورفاقه في ذلك الفصل البارد، ومن الديماس زحف الكولونيل ” فرن ” وقواته ليساهم في عملية تطويق الثوار، فدارت رحى معركة أبدى فيها الثوار مع أهالي المنطقة مع آل داوود وآل العريان، بسالة في مقاومة تلك القوات.

وقد أبدى القادة الفرنسيون مهارة وجرأة عظيمة في تنفيذ خطتهم الحربية المرسومة ومحاولاتهم المتكررة لإحكام الطوق على الثوار، في تلك القرية الجبلية المعزولة. غير أنهم تكبدوا خسائر فادحة بالأرواح والعتاد دون أن تتمكن من بلوغ أهدافها في ذلك اليوم. ولما خيم الظلام، اضطرت إلى التراجع قليلاً، مبتعدة عن أماكن الثلوج المتراكمة، مما هيأ للثوار فرصة الانسحاب ليلاً من القرية وإخلائها تماماً من السكان، فخرجوا برواحلهم ومواشيهم، واتجهوا عبر مسالك جبلية ضيقة إلى إقليم البلان، وبلغت خسائر الثوار ثلاثين شهيدا وجريحاً([33]).

§       معركة الفالوج.

فيما كان شكيب وهاب ورفاقه يخوضون المعارك الانفة الذكر، كان فريق آخر من الثوار بقيادة الشيخ خطار أبو هرموش ومحمود كيوان يرابطون في بعض القرى إلى الشمال الشرقي من راشيا، فمرت كوكبة من المتطوعين اللبنانيين لمساعدة الفرنسيين الذاهبة إلى الشمال، فتبعها الثوار حتى مخفر الفالوج، حيث وجدوا قافلة عسكرية تنقل الميرة والعتاد الحربي إلى قلعة راشيا، يرافقها نحو ثلاثمائة من الخيالة والمشاة السنغاليين. وقد توقفت هناك بسب الثلوج. وما إن وصلت طلائع الثوار إلى المكان حتى أخذ الجنود أهبتهم للقتال، فتمركز بعض الضباط والجنود في بناء المخفر، وانتشر الآخرون وراء الصخور القائمة هناك، وما لبثت المعركة أن نشبت بسرعة وضراوة، إثر هجوم قام به الثوار، استشهد منهم فيه نحو عشرين مجاهداً دفعة واحدة، وسقط عدد كبير من الجرحى. مما يدل على يقظة أولئك الجنود وحسن تدريبهم على القتال، غير أن المعركة استمرت دائرة على أشدها أكثر من ساعتين، أجهز الثوار خلالها على نحو مائة وثمانين ضابطاً وجندياً، ورفعوا السيف عن بقية الجنود الذين استسلموا، وغنم الثوار الأسلحة والذخيرة والخيول بعد سيطرتهم على الموقع([34]).

وقد خاضوا هناك معركة الفالوج المنتصرة بقيادة شكيب وهاب حيث ابيدت فرقة فرنسية كاملة.

وظهرت إحدى العصابات الدرزية في وادي القرن في محاولة لقطع طريق بيروت – دمشق التي تمر فيه، لكن الفرنسيين سيروا قوات ضخمة من الدرك المحلي ومن جنودهم للحفاظ على هذا الممر الحيوي، وبعد ذلك امتدت الثورة إلى جرود بعلبك والهرمل وجبال أكروم([35]).

ولقد تجلى التعاون بين الموارنة والفرنسيين بتشكيل عصابات في زحلة وجزين، واشتراكهم في معارك ضد الثوار، وتشجيع الشبان على تشكيل عصابات، مثل عصابة مخايل أبو طقة ومخايل بوعينين في زحلة، وعصابة غطاس وبطرس كرم في زغرتا وغيرها من العصابات التي اشتركت في معارك راشيا وكوكبا([36]).

ويروي الجنرال”شارل ديغول” عن هذه الأحداث، إذ ذكر أن الثوار احتلوا مرجعيون في 13 تشرين الثاني عام 1925، لكنهم طردوا منها، فيما بعد، وانسحبوا إلى حاصبيا.

ثم يتحدث عن حصار راشيا (الذي جرى بين 20-25 تشرين الثاني نوفمبر) حيث دافعت حاميتها عنها “دفاع الأبطال” في وجه الثوار الذين كانوا قد انكفأوا من مرجعيون فهاجموها، وقد استطاع هؤلاء اختراق أسوار القلعة خلال هجمات متعددة، ولكن الحامية استطاعت صدهم بعد معارك حامية وقتال جرى وجها لوجه” حيث قتل النقيب غرانجيه وعدد كبير من خيالته”. إلا أن النقيب ” كروس مايرفييل Cros-Mayerevelle “استطاع أن يقاوم ببسالة، ومن بقي معه، إلى أن فكت الحصار عنه، في 25 منه، قوات” لوبيز ولواينيه”. وبعد ذلك، تسلم العقيد “ماركيه” قيادة القوات، وانتقل إلى حاصبيا حيث يحتشد الثوار.

وما أن وصل ” ماكيه” إلى ضواحي حاصبيا حتى نصب مدفعيته ورشاشاته على هضبة “كوكبا: المشرفة على حاصبيا، وهاجمت القوات الفرنسية حاصبيا في 3و4 كانون الأول ديسمبر عام 1925، إذ قامت هذه القوات بحركة التفاف مزدوجة على البلدة، المشاة من الشمال، والخيالة من الجنوب، وما لبثت حاصبيا أن سقطت، فدخلتها القوات الفرنسية وانسحب الثوار منها باتجاه الطرف الغربي لجبل الشيخ. إلا أن الثوار عادوا فاحتشدوا، من جديد، شمال جبل الشيخ، نحو مثلث السلطان يعقوب- ينطا- حلوة، مهددين طريق بيروت دمشق، وعندها قرر الجنرال ” غاملان” تنظيف المنطقة منهم، فأسند هذه المهمة إلى ” كليمان غرانكور” و” لوفور”، فتقدم رتل”كليمان غرانكور” من راشيا، حيث كان يحتشد، وتقدم رتل” لوفور” من ” جب جنين”، والتقى الرتلان في ” كامد اللوز”. ثم تقدم الرتلان من جديد، واحد من الشمال وآخر من الجنوب، حيث التقيا، مع رتل ثالث ( هو رتل فرني)، ومع الشراكسة الذين أتوا من دمشق، عند ينطا وحلوة. وهكذا استطاعت القوات الفرنسية طرد الثوار من كامل القسم الشمالي لجبل الشيخ([37]).

  • الثورة في كامد اللوز:

انضوى رجال كامد اللوز في البقاع الغربي في الحركات الثورية المسلحة التي قاومت الاحتلال الفرنسي، وكان لها نصيبها من الشهداء في أرض المعركة، خصوصاً في العام 1926، حيث استشهد في معركة المعصرة كل من: علي أحمد أيوب وأحمد محمد حسين ساطي ( العطاس) وعبد الغني وأكد، ووقع في الأسر علي حسين واكد. وشارك رجالها في معركة عزة – الفالوج التي كان يقودها محمد كيوان أحد قادة الثورة التي ترأسها شكيب وهاب ونسيب العريان، ونصبوا الكمائن في أماكن مختلفة من البقاع الغربي لجيوش الانتداب الفرنسي، ما أغضب قائد الحملة الفرنسية آنذاك الجنرال

§       الثورة في بعلبك والهرمل 1925 – 1927

أسهمت منطقتا الهرمل وبعلبك في الثورة على الانتداب الفرنسي إلى جانب ثورة سلطان باشا الأطرش، وجرت فيها معارك حامية بين الثوار والفرنسيين.

دخلت حملة فرنسية منطقة الهرمل من الشمال، وكانت مؤلفة من وحدات من القناصة اللبنانية، ومن قوات المغاربة، وكانت هذه الوحدات من المشاة المجهزة بالأسلحة الرشاشة، ومن الفرسان، مع المدفعية، وقد تمركزت في قرية “سهلة الماء” الواقعة عند الحدود اللبنانية – السورية، وأرسل قائد الحملة دورية إلى الجبال المشرفة على القرية للبحث عن الثوار، وما أن تسلق أفرادها الجبل حتى بادر الثوار بإطلاق النار فأصابوا عددا منهم. واستمر الاشتباك بين الثوار ومواقع الحملة فترة من الوقت اضطرت خلالها، مدفعية الحملة تغيير مواقعها لإصابتها بنار محكمة من الثوار، بينما تقهقر سلاح الفرسان تحت وطأة نيران المجاهدين التي كانت تطال جنود العدو، بدقة وفعالية، مما أدى إلى تشتت قوات الحملة وإسكات نيران مدفعيتها([38]).

وكان هدف الثوار من هذه المعارك، انتقال الثورة من حرب العصابات من جبل العرب إلى الأقضية التي سلخت قهرا عن سورية وألحقت بلبنان الكبير، وأيضا كان لهم هدف آخر هو تكذيب الفرنسيين” الذين كانوا يدّعون السيطرة على البلاد”.

وكان زيد الأطرش شقيق سلطان باشا الأطرش القائد العام للثورة، يخوض، ضد الفرنسيين معارك في إقليم البلان([39]) فأرسل إلى أحمد عثمان الدمراني يطلب منه القيام بحركة بغية إشغال الفرنسيين وتخفيف الضغط العسكري عنه. وكان مع الدمراني نحو ستين مسلحا على رأسهم سعيد عكاش فسار بهم إلى “مزرعة البيضا” حيث وافاهم 60 مسلحا من قرية بريتال البقاعية، بقيادة فياض اسماعيل الملقب”بأبي شعلان” (ابن عم ملحم قاسم) وانتقل الجميع إلى مزرعة “عين شباط” حيث انضم إليهم توفيق هولو حيدر وحسن حمية وآل دندش وكان هؤلاء نحو 150 مسلحا.

وصفت لسان الحال الصادرة في 21 أيار سنة 1926، عملية الاستيلاء على بعلبك كما يلي:” انضمت عصابة سعيد عكاشة إلى عصابة توفيق هولو حيدر فقطعت أسلاك التلغراف والتلفون. وفي التاسعة والنصف ليلا سمع دوي الرصاص حتى جهات بعلبك الأربع تتخلله طلقات المدافع الرشاشة، والقنابل اليدوية، فدب الذعر في النفوس وكان عدد الثوار يقرب من المائتين…”.

وكانت في بعلبك حامية فرنسية متمركزة في القلعة والمحطة، فوزع الثوار قواتهم على أربع فرق لمواجهة مواقع الحامية، فاستطاعوا احتلال القلعة، ثم احتلوا المدينة، خلال نصف ساعة، وحرروا السجناء، بينما هرب الجنود الفرنسيين، وقتل منهم عدد كبير وغنم الثوار عتادهم.

وفي 11 حزيران سنة 1926، هاجمت قوة فرنسية كبيرة الثوار في اللبوة، فكمن لها توفيق هولو والثوار وضربوا عساكر فرنسا ضربة قوية بعد محاصرتهم وقتلوا منهم وجرحوا المئات، ولقد دامت المعركة سبع ساعات انهزم على أثرها الفرنسيون بعيدا عن القرية. وفي اليوم التالي جاءتهم الإمدادات ودخلوا إلى اللبوة فلم يجدوا أحدا فأحرقوا اللبوة انتقاما وثأرا لكرامتهم.

 

وفي 9 أيلول 1926 كان توفيق هولو مع عشرة أنفار من الثوار في “الجباب” شرقي بعلبك، فداهمتهم قوة كبيرة من الجيش الفرنسي تزيد على الأربعة آلاف جندي، فرسم توفيق هولو خطة للوقيعة بها… وكان متحصنا بين الصخور العالية، ولما وقعت العساكر الفرنسية في الفخ بين مضيق جبلين صب الثوار- وبإشارة من توفيق هولو – نيران رشاشاتهم عليها فقتلوا وجرحوا عدة مئات منها. وكانت هذه المعركة أشبه بالمعجزة، لما تخللها من العنف والحظ مع التخطيط، مما دفع الجنود المغاربة العرب (ضمن القوة الفرنسية) أن يتوقفوا عن إطلاق النار، عندما شاهدوا بأم أعينهم بسالة الثوار، وصار بعضهم يهتف: “لا اله إلا الله توفيق هولو حبيب الله…”([40]).

ثالثا: نتائج الثورة السورية الكبرى

كان  استيلاء الثوار السوريين – اللبنانين على حاصبيا وراشيا قصير الأمد: فقد استرجعت قوة الانتداب راشيا في 23/11/1926 وحاصبيا في5/12/1926. ومنذ ذلك الحين أخذت الثورة تتراجع عن راشيا، وأثارت فرنسا، مجزرة بين الطوائف، لاسيما بين الدروز والمسيحيين، فالمسيحيين (العصابات المسيحية المسلحة) استطاعوا أن يقاوموا حتى وصول القوات الفرنسية التي تمكنت من طرد الدروز من حاصبيا ومرجعيون([41]).

أما الموارنة فقد ساعدوا الانتداب الفرنسي بكل ما أوتو من قوة على الصعيد السياسي، على الرغم من كل مطالبة إسلامية سواء على المستوى العسكري أم على المستوى الشعبي. فمن جهة أسهموا في تكوين الدرك( الجندرمة) عام 1926، ومن جهة ثانية اشتركوا في محاربة الثوار ما بين 1925-1927، إذ شكلوا عصابات تحت لواء الانتداب وبرعاية الجيش الفرنسي.

ازدادت وطأة الانتداب الفرنسي على الأقضية الأربعة بعد هزيمة الثورة السورية الكبرى في السنوات 1925-1927 وتم تشريد الثوار. ومن أهم أسباب تراجع الثورة كان :

أولا: عدم تأييدها من العائلات الإقطاعية الكبرى .

ثانيا:المنحى الطائفي الذي سعى الفرنسيين لاسباغه عليها،وترسيخه بين السكان.

ثالثا:الأموال الفرنسية الطائلة التي دفعت لقمعها في حين سيطر الفقر على السكان ،وانعدمت المساعدات الخارجية للثوار([42]).

وكان من الطبيعي أن يبتعد سلطان باشا الأطرش عن الجبل بعد فشل الثورة، وظل أسير منفاه طيلة عشر سنوات يقاسي فيها عذاب الفقر والحرمان، وكان يسمع المجاهدين يروون قصص كفاحهم، ويتذكرون فصول معاركهم المنتصرة والمنهزمة، ويرددون قصيدة قالها زيد الأطرش وهو يقوم معه بترحيل العيال إلى الأزرق عام 1926:

يا ديرتي مالك علينا لــوم         لا تعتبي لومك على من خان

حنا روينا سيوفنا من القـوم        ما نرخصك مثل الردي بأثمان

لا بد ما تمضى ليالي الشـوم        ويعتز جيش قايده ســلطان

وإن ما خذينا حقنا المهضـوم      يا ديرتي ما احنا الك سكـان([43]).

 

  • المجلس النيابي اللبناني يتبنى قرارا ضد الثورة عام 1925

حتى ذلك التاريخ، كان المجلس المنتخب يدعى بالمجلس التمثيلي، أما في أيار عام 1926،فقد أصبح يسمى بموجب الدستور مجلساً نيابياً([44]). وجرت دورة عام 1929 على هذا الأساس، واستمر التنافس بين المرشحين في دائرتي زحلة وبعلبك حتى دورة 1937 التي تمكن فيها نسيب الداوود من دخول الندوة النيابية ممثلاً منطقة البقاع الغربي عن المقعد الدرزي المستحدث([45]).

وكان المجلس النيابي اللبناني قد تبنى وجهة نظر الأكثرية المسيحية والمتعاونين مع فرنسا” فقرر في جلسة أول كانون أول 1925 القرار التاريخي الهام بأكثرية مطلقة تبلغ العشرين نائبا وبمخالفة كل من المخلصين وهم أرسلان والداعوق وبيهم وتلحوق، القرار التالي:

“…..ولما كانت قوة الجندرمة المحلية، على قلة عددها، قد قامت بواجبها أثناء مهاجمة الحدود،  ولما كان لبنان بانفصاله سياسيا عن جارته سورية وجبل الدروز يرغب في البقاء في عزلته وحياده التامين، ويعتبر تصدي الخوارج لمهاجمة أطرافه تعديا على استقلاله، وافتراء محضاً على حريته ومصالحه، فإن هذا المجلس يقرر ما يلي:

1 – إن هذا المجلس يعتبر هجوم الثوار على حاصبيا ومرجعيون وراشيا تعديا على استقلال لبنان وحرية سكانه.

2 – يرفع هذا المجلس شكره بالنيابة عن البلاد إلى الدولة المنتدبة الكريمة لما قامت به حتى الساعة من التضحيات بالأرواح والأموال للذود عن حياض لبنان، والعمل على سلامة سكانه وضمان استقلاله.

3 – يقدر مفاداة الجندرمة اللبنانية حق قدرها، ويثني على ثباتها وشجاعتها.

4 – يؤكد هذا المجلس للدولة المنتدبة بقاء البلاد على ولائها لها ومحبتها التقليدية غير المتزعزعة.

5 – يطلب هذا المجلس من دولة الحاكم إبلاغ الدولة المنتدبة هذا القرار بالصورة الرسمية”([46]).

 

  • استمرار المطالبة بالوحدة مع سورية حتى عام 1936

عقد “مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة”([47]) في منـزل سليم علي سلام في 10آذار (مارس)1936. ولما افتتح المؤتمر انتخب سليم علي سلام رئيسا له ومما قاله: ” تعلمون أيها السادة أننا في ظروف خطيرة، ففي دمشق العزيزة التي بذلت أغلى ما تبذله الشعوب لتحقيق حريتها واستقلالها سيتألف وفد لمفاوضة الحكومة الفرنسية في مصير البلاد السورية، ولما كنتم من مفكري هذه الأمة ومن مجاهديها المخلصين، فقد دعوناكم لعقد مؤتمر نقرر فيه موقفنا نحن أبناء الأقضية والمدن المنسلخة عن أمنا سوريا…”، ثم أوضح سلام بأنه تم وضع مشروع مذكرة لرفعها إلى المفوض السامي تتضمن المطالبة بالوحدة السورية([48]).

ويعتبر هذا المؤتمر اللقاء الأخير الذي ضم وجهاء المسلمين ضمن سلسلة اللقاءات التي عقدت في هذا الإطار للمطالبة بضم لبنان وسورية في صيغة اللامركزية.

لكن ما لبث أن ظهر التباين في هذا الاجتماع عبر مطالبة وجهاء آل الصلح بتسوية تاريخية مع المسيحيين تسمح بالتأسيس لوفاق وطني كركيزة للمطالبة باستقلال لبنان([49]).

أعقب مؤتمر الساحل مؤتمران آخران نظمهما أنصار الكتلة الوطنية السورية، عقد الأول في صيدا وضم ممثلين عن صور وطرابلس ومرجعيون وبنت جبيل، والثاني في بلدة لالا البقاعية([50]).

بتاريخ 26 تموز1936، اجتمعت جماعة من وجهاء ومفكري البقاع وراشيا في قرية “لالا” البقاع، بدار السيد علي أحمد طربين وعقدت مؤتمرا أطلقت عليه ” مؤتمر البقاع وراشيا” للمشاركة والمذاكرة في شؤون البقاع الاجتماعية والسياسية.

 

وبعد اكتمال عدد المدعوين افتتحت الجلسة برئاسة أكبر الحاضرين سنا السيد محمد حسين حيمور، وأسندت أمانة السر إلى المحامي عوض فاضل، ثم بوشر بانتخاب لجنة تنفيذية تأخذ على عاتقها تنفيذ مقررات المؤتمر، وذلك بالاقتراع العلني ففاز بثقة الجميع السادة: محمد حسين حيمور، محمد الخطيب، محمد سليم عراجي، محمد سليمان، المحامي عوض فاضل، علي أحمد طربين، علي محمد صفية، حسن القادري، محمد أمين حيمور، والأستاذ عوض فاضل لأمانة السر، وقد تقرر ما يلي:

1 – إعلان السخط العام على السياسة الحالية المتبعة في البقاع وراشيا، التي لا تلتئم مع القاعدة العامة “الغرم بالغنم” ولإهمال الحكومة اللبنانية لمصالح هذه المناطق من الوجهة العلمية، والصحية، والعمرانية، والاقتصادية، وإرهاق الشعب بالضرائب، وعدم الإلتفات لمصالحه العامة.

2 – رفع احتجاج على مذكرة النواب السنيين المعترف بها ضمنا، بحدود لبنان حاليا، تلك المذكرة المضرة بمصالح البلاد الحيوية والسياسية.

3 _ طلب الوحدة السورية لدى المراجع الوطنية والفرنسية، باعتبار أن البقاع وراشيا وبقية الأقضية الأربعة وحدة لا تتجزأ عن أمها سوريا والتي سلخت عنها قهرا، بقرار المفوض السامي الفرنسي دون رغبة سكانها، وأن الالتحاق بسوريا أمنية كل فرد من أفراد البقاع وراشيا وتوابعها.

4 – رفع احتجاج لوزارة الخارجية الفرنسية على التصريح الموجه لرئاسة الجمهورية اللبنانية المتضمن توجه بالمحافظة على حدود لبنان الحالية، لأن هذا التصريح وتنفيذه يضر ضررا فاحشا ماديا وسياسيا بمنطقة البقاع وراشيا.

5 – تفويض اللجنة التنفيذية للاتصال برجالات الكتلةالوطنية والتكلم باسمها، والإبراق باسم المنطقة لكافة المراجع المختصة وتوحيد المساعي مع وطنيي طرابلس وصيدا وجبل عامل، في سبيل تحقيق الوحدة، وإنالة البلاد مطالبها، التي لا تحيد عنها، وتأييد مساعي الوفد السوري بذلك([51]).

وكان قد ترافق انعقاد مؤتمر الساحل، مع إرسال عرائض وبرقيات من مناطق مختلفة في جبل عامل، إلى اللجنة الدائمة للانتداب في جنيف، وإلى المفوض السامي الفرنسي، وكلها تطالب بتحقيق الوحدة السورية.

كما طلبت حاصبيا ومنطقتها – عبر مذكرة رفعت من أهاليها إلى السلطة اللبنانية- بتحقيق أمانيها بالعودة إلى أحضان الدولة الأم، والاحتجاج على عدم إعارة المنطقة الاهتمام اللازم.

 

الخاتمة

بالرغم من ان الجنرال غورو قد تمكن من احتلال سورية  بعد معركة ميسلون في تموز 1920، وبالرغم من انه فصل لبنان عن سورية في اول ايلول 1920، غير ان اللبنانيين والسوريين الوحدويين استمروا في مطالبتهم بوحدة البلاد السورية،لقناعتهم الراسخة بمضار التقسيم من النواحي القومية والسياسية والتاريخية والاقتصادية وحتى اللغوية.

انقسم اللبنانيون حول الدستور بين رافض ومؤيد، ففي حين تابع المسلمون رفضهم الاعتراف بإلحاقهم بلبنان الكبير، وتجلى ذلك في رفضهم الاشتراك في وضع الدستور عام 1926 تنفيذاً للمادة الأولى من صك الانتداب، وكان من قرارات مجلس النواب اللبناني أن يشارك اكبر قطاع من الرأي العام في وضع الدستور، ووضعت 10 أسئلة للإجابة عليها من المجالس البلدية ورجال الدين والسياسيين، امتنع المسلمون في البقاع وباقي المناطق الملحقة بجبل لبنان، عن الإجابة عليها، بينما وردت إلى المجلس آراء القطاعات المسيحية المختلفة.

وفي الجلسة الأولى من جلسات مجلس النواب اللبناني المنعقد في 22 أيار 1926ن وبحضور مندوب المفوضية الفرنسية السيد سوشية، وتعليقاً على المادة الأولى من الدستور في (الدولة وأراضيها)، تلا عمر بك الداعوق بياناً موقعاً من النواب: صبحي حيدر (عن البقاع) وخير الدين عدرا وخالد شهاب، يحتجون فيه على إلحاق البلاد التي يمثلونها بلبنان دون استفتاء أهلها، ويطلبون أن تجعل حكومة مستقلة لها اتحاد مع لبنان القديم وسوريا. وأضاف صبحي حيدر: “تحاشياً للأضرار التي قد تلحق بأهالي البلاد الملحقة وريثما نتخلص من هذا الإلحاق فإننا ندخل بالبحث في هذا الدستور محتفظين باحتجاجنا”([52]).

  • تكرس الطابع المسيحي الماروني للبنان بعدد من القرارات والممارسات الفرنسية، في حين استمر المسلمون في مقاطعتهم للمناصب الإدارية والإحصاءات السكانية في دولة لبنان الكبير، واستمروا بالمطالبة بالوحدة مع سوريا، وبالاستقلال عن الانتداب الأجنبي. وفي هذا الجو اندلعت الثورة السورية الكبرى عام 1925، وامتد لهيبها إلى الأقضية الأربعة واستمرت الثورة حتى عام 1927 عندما سيطر الجيش الفرنسي على حرمون وراشيا وحاصبيا ومجدل شمس وينطا. فالجنرال اندريا قضى على الثوار في جبل الدروز، وعيّن طلال باشا الأطرش قائمقاماً للمنطقة الشمالية. بفضل هذا التعيين تسنى له احتلال هذه المنطقة من الجبل دون صعوبات، وتقريباً دون معارك([53]).

عندما عقد مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة عام 1936، في منـزل سليم علي سلام وهو آخر مؤتمر وحدوي عقد في لبنان بحضور ممثلين عن الأقضية الأربعة في هذا المؤتمر، ظهرت جملة من التراجعات عن طلب الوحدة.

وفي 26 تموز 1936، اجتمعت جماعة من وجهاء ومفكري البقاع وراشيا، في قرية “لالا” البقاعية، في دار السيد علي أحمد طربين وعقدت مؤتمراً اطلقت عليه “مؤتمر البقاع وراشيا” وصدر عنه إعلان: السخط العام على السياسة المتبعة في البقاع وراشيا، وإرهاق الشعب بالضرائب، وجدد مطالبته بالوحدة مع السورية لدى المراجع الوطنية والفرنسية، باعتبار أن البقاع وراشيا وبقية الأقضية الأربعة وحدة لا تتجزأ عن أمها سوريا والتي سلخت عنها قهراً بقرار المفوض السامي الفرنسي دون رغبة سكانها([54]).

وجاء توقيع المعاهدة السورية الفرنسية عام 1936، ومن ثم تولية هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية السورية الذي أبدى موافقته على انفصال البلدين، وقد فسّر الوحدويون البقاعيون ذلك بأنه تخلِ عنهم واعترافاً بصيغة لبنان الكبير.

وبعد توقيع مشروع المعاهدة السورية – الفرنسية، بدأ التحضير لعقد معاهدة مشابهة بين لبنان وفرنسا، وأطبق الصمت على مسألة الأقضية الأربعة، وإن كان الشعور الشعبي بالوحدة ظل متأججاً في البقاع واستمرت العلاقات والروابط القومية لا يعوقها إلا صدور القوانين([55]).

 

المصادر والمرجع:

  1. أحمد عبده العجمي، البقاع بين لبنان وسوريا 1918-1936،أطرؤحة دكتوراه،جامعة دمشق/كلية الآداب،غير منشور،2007.
  2. بشارة الخوري، حقائق لبنانية، الدار اللبنانية للنشر الجامعي،ط2،ثلاثة أجزاء،بيروت1983.
  3. جريدة “زحلة الفتاة” ، عدد 56، 4 آب 1920
  4. جوروج أنطونيوس، يقظة العرب تاريخحركة العرب القومية،ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس،دار العلم للملايين بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر،ط2،نيويورك1966.
  5. حسان حلاق ، تاريخ لبنان المعاصر 1913 – 1952 ، دار النهضةالعربية، ط2، بيروت1994.
  6. حسان حلاق، مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة1936،الدار الجامعية للطباعة والنشر،بيروت 1983.
  7. حسن البعيني، سلطان باشا الأطرش مسيرة قائد في تاريخ أمة، توزيع معرض الشوف الدائم للكتاب، 2001، ط2،
  8. حسن الحكيم، الوثائق التاريخية المتعلقة بالقضية السورية في العهدين العربي الفيصلي والإنتداب الفرنسي 1915 –  1946، دار صادر، بيروت 1974.
  9. حسين أحمد ساطي، تاريخ كامد اللوز 1900-1975، رسالة دبلوم دراسات عليا، الجامعة اللبنانية ، قسم التاريخ،1999.
  10. ذوقان قرقوط، المشرق العربي في مواجهة الاستعمار، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977.
  11. ساطع الحصري، يوم ميسلون، صفحة من تاريخ العرب الحديث، دار الكشاف،بيروت 1948.
  12. سلطان باشا الأطرش 1925-1927،أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش 1925-1927، قدم لها العماد أول مصطفى طلاس، دار طلاس، دمشق، الطبعة الأولى 2007.
  13. طراف حيمور: مخطوط عن احداث البلاد العربية 1914-1920، (غير منشور) من محفوظات آل حيمور في البقاع.
  14. طراف حيمور، قصيدة من ديوان “كشكول وطن” (غير منشور)
  15. عدنان ضاهر و رياض غنام، مجلس النواب في ذاكرة الاستقلال اللبناني،
  16. علي سلطان: تاريخ سورية 1918-1920الحكم الفيصلي،دار طلاس للنشر،ط2،دمشق 1996.
  17. فيصل جلول، مقالة في إطار مقاومة الفرنسيين في البقاع، المسيرة، بيروت، دار المسيرة، العدد الثالث والرابع عشر، 1981.
  18. فيليب حتي، خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى،المجلد الثاني،الدار المتحدة للنشر ،بيروت 1975.
  19. كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، دار النهار للنشر،ط3، بيروت1972.
  20. محفوظات بلدية زحلة، سجل الأوامر ابتداء من أول أيلول (سبتمبر) إلى 18 تشرين أول (أكتوبر) 1921، نمرو (34) 13 كانون الأول (ديسمبر) 1920.
  21. محمد جميل بيهم ، مواكب العروبة وقوافلها خلال العصور، ج2،بيروت 1950.
  22. مركز الحريري الثقافي: لبنان في تاريخه وتراثه،مركز الحريري الثقافي(ابحاث وتوثيق)،بيروت 1993.
  23. مسعود ضاهر، لبنان الاستقلال- الميثاق والصيغة، بيروت، معهد الإنماء العربي، 1977.
  24. ملحق رقم (4) وثائق مركز دراسات الوحدة العربية،
  25. هدى رزق، لبنان بين الوحدة والإنفصال هزائم الانتفاضات 1919-1927، بيروت، بيسان للنشر والتوزيع، 1998.
  26. ياسين سويد، الجمهورية اللبنانية الأولى (1926-1943)، بيروت، دار نوبليس،2004، الجزء العاشر.
  27. يوسف الحكيم، سوريا والعهد الفيصلي، دار النهار،ط3، بيروت 1991.

 

  1. Georges Karam , Recharches sur L’opinion libanaise (1919 – 1920 ) , paris 1979.
  2. Najib Dahdah , Evaluation Historique du Liban , Beyrouth 1964 ,
  3. Bouron ,les druzes ,Histoire des druzes et de la montagne Haourannaise ,Paris 1930 ,.

 

*محاضرة قدمتها الدكتور نضال الإمام عميص في ندوة الثورة السورية الكبرى التي أقامها منتدى موقع حرمون في نهار الجمعة 30 تموز 2021 اونلاين عبر موقع زووم الساعة 7 مساء.

**أستاذة جامعية متخصصة في التاريخ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.